ابو خاطر
22-Jun-2008, 10:22 AM
- باب تعظيم حُرمات المُسلمين
وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ )(الحج:30) وقال تعالى:(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)* (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر:88)* وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة:32).
الشرح
قال المؤلف – رحمه الله تعالى –: " باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم" فالمسلم له حق على أخيه المسلم * بل له حقوق متعددة* بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة:
منها : إذا لقيه فليسلم عليه * يلقي عليه السلام* يقول : السلام عليكم * ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث * يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا* وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام* إذا رأيت في هذا مصلحة * ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها * فرأيت أن هجره يحمله على التوبة* ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام* وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل* وإلا فلا* حتى لو جاهر بالمعصية* فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.
ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)(الحج: 30) * ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترماً من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص * فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه* ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلاً والمساجد* أو الزمان كالأشهر الحرم " ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب" وما أشبه ذلك* فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم.
ومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين * وتنزيلهم منزلتهم * فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم * قال النبي عليه الصلاة والسلام: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" [352].
" بحسب" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه* أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم * فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله * وكذلك أيضاً تعظيم ما حرمه الله عزّ وجلّ في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار* فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهداً بينه وبين غيره من الكفار.
ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم
القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا* قال الله تعالى:( فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(التوبة:7)* فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية* فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين* ولكن قريشاً نقضوا العهد* فهؤلاء ينتقض عهدهم * ولا يكون بيننا وبينهم عهد* وهؤلاء قال الله فيهم : (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ)(التوبة:13) .
والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد* فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم * كما قال تعالى : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال:58) .
فهذه من حرمات الله عزّ وجلّ * وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله عز وجل فإن الواجب على المسلم أن يحترمه * ولهذا قال الله تعالى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه)(الحج: 30)* وقال : (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32) .
الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت* والسعى بين الصفا والمروة* والأذان والإقامة* وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلاً على تقواه * فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر.أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر: 88) وفي الاية الأخروي: ) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(الشعراء: 215) * والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به* شفيق به* كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه: ) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح: 29).
وفي قوله تعالى : (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر: 88)* دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة* كما يرتفع الطير بجناحه* فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه.وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجلّ* والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير* أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك* فربما يكون في هذا وضع لي* وتنزيل من رتبتي* ولكن هذا من وساوس الشيطان* فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء* قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف:16-17).
فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له : كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلاناً؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجلّ* حتى وإن كان عالماً أو كبيراً أو غنياً* فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمناً* أما من كان كافراً فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له* لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين* ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه* بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة * ودون إهانة له* فهذا معنى قوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر:88).
وفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215)* فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه * أن يكون هيناً ليناً بالقول وبالفعل ؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس* وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع * ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء* مثل البيع على بيع المسلم [353]* والسوم على سوم المسلم* وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس* والله الموفق.
* * *
وقال تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة:32)
222- وعن أبي مُوسى – رضي الله عنهُ- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه * متفق عليه [354].
الشرح
سبق ذكر عدة آيات في بيان تعظيم حرمات المسلمين* والرفق بهم* والإحسان إليهم * ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم قوله تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(المائدة: 32)* بين الله في هذه الآية أن من قتل نفساً بغير نفسه أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ؛ لأن حرمة المسلمين واحدة* ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين * فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين* كما أن من كذب رسولاً واحداً من الرسل * فكأنما كذب جميع الرسل. ولهذا أقرأ قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:105)* مع أنهم لم يكذبوا إلا واحداً * فإنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح* وما بعد نوح لم يدركه قومه* لكن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذّب جميع الرسل* ومن قتل نفساً محرمة* فكأنما قتل الناس جميعاً ؛ لأن حرمة المسلمين واحدة* ومن أحياها أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة؛ فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وإحياؤها وإنقاذها من الهلكة تارة يكوم من هلكة لا قبل للإنسان بها فتكون من الله * مثل أن يشبّ حريق في بيت رجل* فتحاول إنقاذه * فهذا إحياء للنفس.
وأما القسم الثاني فهم ما للإنسان فيه قبلٌ* مثل أن يحاول رجل العدوان على شخص ليقتله * فتحول بينه وبينه وتحميه من القتل* فأنت الآن أحييت نفساً. ومن فعل ذلك فكأنما أحيا الناس جميعاً ؛ لأن إحياء شخص مسلم كإحياء جميع الناس.
وقوله عزّ وجلّ : (بِغَيْرِ نَفْسٍ ) يستفاد منه أن من قتل نفساً بنفس فهو معذور و لا حرج عليه . قال الله تعالى : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ )(المائدة:45) * فإذا قتل نفساً بحق أي بنفس أخرى فلا لوم عليه ولا إثم * ويرث القاتل من المقتول إذا قتله بحق* ولا يرث القاتل من المقتول إذا قتله بغير حق.
ولنضرب لهذا مثلاً بثلاثة أخوة قتل الكبير منهم الصغير عمداً * فالذي يرث الصغير أخوه الأوسط* وأخوه الكبير لا يرثه؛ لأنه قتله بغير حق ثم طاب الأوساط بدم أخيه الصغير * فقتل أخاه الكبير قصاصاً* فهل يرث الأوسط من أخيه الكبير وهو قاتله؟ نعم يرث؛ لأنه قتله بحق. والكبير الذي قتل الصغير لا يرث؛ لأنه قتله بغير حق.
فالقتل بحق لا لوم فيه وليس له أثر؛ لأنه قصاص* والله تعالى يقول: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179).
وقوله عزّ وجلّ: (أَوْ فَسَادٍ)والفساد في الأرض ليس معناه أن يسلط الإنسان الحفار فيهدم بيتاً ولو كان ذلك بغير حق. فهذا وإن كان فساداً * لكن لا يحل به دم مسلم * والفساد في الأرض إنما يكون بنشر الأفكار السيئة* أو العقائد الخبيثة* أو قطع الطريق* أو ترويج المخدرات أو ما أشبه ذلك* هذا هو الفساد في الأرض. فمن أفسد في الأرض على هذا الوجه فهدمه هدر حلال* يُقتل لأنه ساع في الأرض بالفساد؛ بل إن الله تعالى قال في نفس السورة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ٌ) (المائدة:33)* على حسب جريمتهم * إن كانت كبيرة فبالقتل * وإن كانت دونها فبالصلب* وإن كانت دونها فبقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى** وإن كان دون ذلك فبأن ينفوا من الأرض* إما بالحبس مدى الحياة. كما قال بذلك بعض أهل العلم * وإما بالطرد عن المدن كما قاله آخرون* لكن إذا كان لا يندفع شرهم بطردهم من المدن حبسوا إلى الموت.
فالحاصل: أن من قتل نفساً لإفسادها في الأرض فلا لومه عليه؛ بل إن قتل النفس التي تسعى للإفساد في الأرض واجب* وقتل النفس بالنفس مباح إلا على رأى الإمام مالك رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية* فإن قتل الغيلة واجب فيه القصاص* يعني من غافل شخصاً فقتله فإنه يُقتل حتى ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن الغيلة شر وفساد* لا يمكن التخلص منها.
مثلاً يجيء إنسانا لشخص أثناء نومه فيقتله* فهذا يقتل على كل حال* حتى ولو قال أولياء المقتول: عفونا عنه ولا نبغي شيئاً* هذا رأي الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله * وهو القول الحق* أنه إذا قتل إنسان غيلة فلابد من قتل القاتل* ولا خيار لأولياء المقتول في ذلك:
فالحاصل إن الله بين في هذه الآية أن قتل نفس واحدة بغير نفس أو فساد في الأرض كقتل جميع الناس* وإحياء نفس واحدة كإحياء جميع الناس* وهذا يدل على عظم القتل* ولو أن إنساناً أحصى كم قتل من بني آدم بغير حق لم يقدر* ومع ذلك فكل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كِفل منها * وعليه من إثمه نصيب.
وابن آدم الذي قتل أخاه* قتله حسداً * حيث كان أول ما جاء آدم من الأبناء اثنين من بني آدم * وقد قربا قرباناً* قربة إلى الله * فتقبل الله من واحد ولم يتقبل من الآخر* فقال الثني الذي لم يتقبل منه لأخيه : لأقتلنك* لماذا يتقبل الله منك ولا يتقبل مني؟ حسده على فضل الله تعالى عليه * فقال له ربه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(المائدة: 27)* يعني اتق الله ويقبل الله منك* كلن من توعد أخاه بالقتل فليس بمتقٍ لله. وفي النهاية قتله والعياذ بالله (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة:30)* خسر- والعياذ بالله- بهذه الفعلة الشنيعة التي أقدم عليها.
ويقال : إنه بقي يحمل أخاه الذي قتله أربعين يوماً على ظهره * ما يدرى ماذا يفعل به* لأن القبور لم تعرف في ذلك لوقت* فبعث الله غراباً يبحث في الأرض* يعني بأظفاره ليريه كيف يواري سوأة أخيه* وقيل إن غرابين أقتتلا فقتل أحدهما الآخر* فحفر أحدهما للثاني فدفنه* فاقتدى به هذا القاتل ودفن أخاه* وهذا من العجائب ا* تكن الغربان هي التي علمت بني آدم الدفن.
فالحاصل: أن كل نفس تقتل بغير حق؛ فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب والعياذ بالله. وهكذا أيضاً من سنّ القتل بعد أمن الناس وصار يغتال الناس وما أشبه ذلك* وتجرأ الناس على هذا من أجل فعله* فإن عليه من الإثم نصيباً؛ لأنه هو الذي كان سبباً في انتهاك هذا* ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دُعاة الخير وفاعليه. إنه جواد كريم.
* * *
223-وعن ابي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مر في شيء من مساجدنا * أو أسواقنا * ومعه نبلٌ فيمسك * و ليقبض على نصالها بكفه أن يُصيب أحدا من المسلمين منها بشيء" متفق عليه [355].
225- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه – قال :" قبل النبي صلى الله عليه وسمل الحسن بن علي رضي الله عنهما* وعندهُ الأقرع بن حابس* فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً * فنظر اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من لا يرحم لا يرحم" متفق عليه [356].
الشرح
ذكر المؤلف – رحمه الله – جملة من أحاديث الرفق بالمسلمين * منها حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه* أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك * أو ليقبض على نصالها بكفه".
النبل: السهام التي يُرمى بها * وأطرافها تكون دائماً دقيقة تنفذ فيما تصيبه من المرمي* فإذا أمسك الإنسان بها وقى الناس شرها. وإذا تركها هكذا فربما تؤذي أحداً من الناس* ربما يأتي أحدٌ بسرعة فتخدشه * أو يمرّ الرجل الذي يمسك بها وهي مفتوحة غير ممسكة فتخدشهم أيضاً.
ومثل ذلك أيضاً العصيّ* إذا كان معك عصّا فامسكها طولاً* يعني اجعل رأسها إلى السماء ولا تجعلها عرضاً؛ لأنك إذا جعلتها عرضاً آذيت الناس الذين وراءك* ربما تؤذى الذين أمامك . ومثله الشمسية أيضاً؛ إذا كان معك شمسية وأنت في السوق فارفعها * لئلا تؤذي الناس.
فكل شيء يؤذي المسلمين أو يُخشى من أذيته فإنه يتجنبه الإنسان ؛لأن أذية المسلمين ليست بالهينة. قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:58).
ومن الأحاديث التي ذكرها المصنف حديث أبي هريرة- رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي بن أبي طالب* وكان عنده الأقرع بن * والحسن بن على بن أبي طال هو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجده من أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم* وأبوه على بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم * وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبُ الحسن والحسين؛ لأنهما سبطاه* يفضل الحسن على الحسين* لأن الحسن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم :" إن ابني هذا سيد* ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" [357] فكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما حصلت الفتنة في زمن معاوية* وآلت الخلافة إلى الحسن بعد أبيه على بن أبي طالب رضي الله عنه * تنازل عنها – رضي الله عنه – لمعاوية بن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين؛ لأنه يعلم أن في الناس أشراراً * وأنهم ربما يأتون إليه ويغرونه كما فعلوا بأخيه الحسين بن علي رضي الله عنهم * غرّه أهل العراق وحصل ما حصل من المقتلة العظيمة في كربلاء وقُتل الحسين.
أما الحسن رضي الله عنه فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان* فصار ذلك مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين".
كان عند النبي صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس من زعماء بني تميم* والغالب أن أهل البادية وأشباههم يكون يهم جفاء* فقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن* فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحداً منهم * أعوذ بالله من قلب قاسٍ لا يقبلهم ولو كانوا صغاراً * فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:" من لا يرحم لا يُرحم" يعني أن الذي لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله * ويُفهم من هذا أن من رحم عباد الله رحمه الله * وهو كذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " الراحمون يرحمهم الرحمن" [358]
ففي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم* وأنه ينبغي للإنسان أن يقبّل للإنسان أن يقبل أبناءه* وأبناء بناته* وأبناء أبنائه* يقبلهم رحمة بهم * واقتداءً برسل الله صلى الله عليه وسلم * أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان* فتجده لا يمكن صبيه من أن يحضر على مجلسه* لا أن يمكِّن صبيه من أن يطلب منه شيئاً* وإذا رآه
عند الرجال انتهره * فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة.
كان النبي عيه الصلاة والسلام يصلي بالناس إحدى صلاتي العشي* إما العصر وإما الظهر* فجاءته بنت بنته " أمامة" * فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وهو يصلي بالناس؛ إذا قام حملها * وإذا سجد وضعها [359] . فأين هذا الخلق من أخلاقنا اليوم؟ الآن لو يجد الإنسان صبيه في المسجد أخرجه فضلاً عن كونه يحمله في الصلاة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام ساجداً فجاءه الحسن أو الحسين فركب عليه – أي جعله راحلة له- فأطال النبي صلى الله عليه السجود * فلما سلم قال:" إن أبني أرتحلني وإني كرهت أن أقٌوم حتى يقضي نهمته" [360].
وكان صلى الله عليه وسم ليخطب الناس يوماً على المنبر* فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما* فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وحملهما بين يديه وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن:15)
* نظرت إليى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر" يعني فما طابت نفسه حتى نزل وحملهما .
ففي هذا كله وأمثاله دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يرحم الصغار* ويلطف بهم * وأن ذلك سبب لرحمة الله عزّ وجلّ* نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته ولطفه وإحسانه.
* * *
226- وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:" أتقبلون صبيانكم؟ فقال :" نعم" قالوا : لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟" متفق عليه [361].
227- وعن جرير بن عبد الله – رضي الله عنه – قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من لا يرحم لا يرحم الناس لا يرحمه الله " متفق عليه [362].
228- وعن أبي هُريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا صلى أحدكم للناس فليخفف * فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير* وإذا صلى أحدكم لنفسه * فليطول ما شاء " متفق عليه وفي رواية :" وذا الحاجة" [363].
الشرح
قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن عائشة- رضي الله عنهما – قالت: جاء قوم من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا: هل تقبلون صبيانكم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : "نعم" . الأعراب كما نعلم جميعاً جفاة* وعندهم غلظة وشدة ولا سيما رعاة الإبل منهم* فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل قلوبهم كالحجارة. نسأل الله العافية. قالوا : إنا لسنا نقبل صبياننا* فقال النبي عليه الصلاة والسلام:" أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة"؟ يعني لا أملك لكم شيئاً إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم.
وفي هذا دليلٌ على تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورقة لهم ورحمة بهم . وفيه دليلٌ على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة * وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرجمة فإنه يرحم غيره* وإذا رحم غيره رحمه الله عزّ وجلّ * كم في الحديث الثاني حديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من لا يرحم لا يرحمه الله " نسأل الله العافية.
الذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله عزّ وجلّ * والمراد بالناس : الناس الذين هم أهل للرحمة كالمؤمنين وأهل الذمة ومن شبابههم* وأما الكفار الحربيون فإنهم لا يُرحمون * بل يقتلون لأن الله تعالى قال في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح:29)* وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73).
ذكر الله تعالى هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)ذكرها الله في سورة اللتوبة وفي سورة التحريم * وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ )(التوبة: 120).
وكذلك أيضاً رحمة الدواب والبهائم فإنها من علامات رحمة الله عزّ وجلّ للإنسان؛ لأنه إذا رق قلب المرء رحم كل شيء ذي روح* وإذا رحم كل شيء ذي روح رحمه الله . قيل : يا رسول الله ؛ ألنا في البهائم أجر؟ قال:" نعم* في كل ذات كبد رطبة أجر" [364]
ومن الشفقة والرحمة بالمؤمنين أنه إذا كان الإنسان إماماً لهم * فإنه لا ينبغي له أن يطيل عليهم في الصلاة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :" إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف * فإن من ورائه السقيم والضعيف وذا الحاجة والكبير" يعني من ورائه أهل الأعذار الذين يحتاجون إلى التخفيف* والمراد بالتخفيف ما وافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم * هذا هو التخفيف وليس المراد بالتخفيف ما وافق أهواء الناس* حتى صار الإمام يركض في صلاته ولا يظمئن . قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ما صليت وراء إمام قطّ أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم * ومع ذلك فكأن يقرأ في فجر الجمعة" آلم تنزيل" السجدة كاملة في الركعة الأولى. و(هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ)(الانسان:1) كاملة في الركعة الثانية* وكان يقرأ بسورة الدخان في المغرب* ويقرأ فيها بالمرسلات * ويقرأ فيها بالطور* ربما قرأ فيها بالأعراف * ومع هذا فهي خفيفة* قال أنس رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم [365].
وليس هذا الحديث حجة للذين يريدون من الأئمة أن يخففوا تخفيفاً ينقص الأجر ويخالف السنة. ثم أعلم أنه قد يكون التخفيف عارضاً طارئاً * مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل * كان يدخل في الصلاة وهو يريد أن يطيل فيها* فيسمع بكاء الصبي فيوجز مخافة أن تفتتن أمه [366]. فإذا حصل طارئ يوجب أن يخفف الإنسان صلاته فليخفف* لكن على وجه لا يخف بالواجب.
فالتخفيف نوعان:
تخفيف دائم: وهو ما وافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم . وتخفيف طارئ يكون أخفّ* وهو ما دعت إليه الحاجة* وهو أيضاً من السنة* فإن النبي صلى الله عليه ولسم كان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة حتى لا تفتتن أمه* والمهم أنه ينبغي للإنسان مراعاة أحوال الناس ورحمتهم.
* * *
229- وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل . وهو يحب أن يعمل به * خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم" متفقٌ عليه [367]
230- وعنهما رضي الله عنها قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل ؟ قال : إني لست كهيئتكم * إني أبيتُ يُطعمُني ربي ويسقينى " متفق عليه [368].
معناهُ يجعلُ في قوة من أكل وشرب.
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى – فيما نقله عن عائشة – رضي الله عنها – في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم * قالت عائشة – رضي الله عنها -: " إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". قولها :" إن كان" " إن" هذه مخففة من الثقيلة * وأصلها " إنّ" * ويقول النحويون : إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن* وجملة ( كان ليدع) خيرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله * لئلا يعمل به الناس* فيفرض عليهم * فيشق عليهم.
ومن ذلك ما فعله في رمضان عليه الصلاة والسلام. صلى في رمضان ذات ليلة* فعلم به أُناسٌ من الصحابة* فاجتمعوا إليه وصلوا معه* وفي الليلة الثانية صلوا أكثر* وفي الثالثة أكثر وأكثر* ثم ترك الصلاة في المسجد* فقال عليه الصلاة والسلام:" أما بعد* فإنه لم يخف علىّ مكانكم" يعني ما جرى منهم من الاجتماع " ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها [369]" فترك هذا القيام جماعة خوفاً من أن يفرض على الأمة وهذا من شفقته صلى الله عليه وسلم * وكان يقول: لو لا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا* أو لآمرت بكذا وكذا* مثل قوله :" لولا أن أشق على أمتي لأمرته بالسواك عند كل صلاة [370].
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل * فقال : " إنه لوقتها" [371] يعني آخر الوقت. ثم قال :" لولا أن أشق على أمتي" فهو عليه الصلاة والسلام كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل ؛ خوفاً من أن يشق على الأمة.
ومن ذلك أيضاً ما روته عائشة رضي الله عنها – أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم* يعني نهى الصحابة عن الوصال. والوصال يعني أن يصل الإنسان يومين فأكثر في الصيام من غير فطر* يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر* فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك* ولكنهم رضي الله عنهم فهموا أنه نهاهم رحمة بهم لا كراهة للعمل* فواصلوا ثم واصلوا حتى هل شهر شوال* فقال صلى الله عليه وسلم :" لو تأخر الهلال لزدتكم" [372] يعني لأبقيتكم تواصلون * قال ذلك تنكيلاً لهم * حتى يعرفوا ألم الجوع والعطش * ويكفوا عن الوصال من أنفسهم.
الحاصل أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم . فقالوا : إنك تواصل ونحن نقتدي بك . فقال: " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقينى" يعني أنه عليه الصلاة والسلام ليس كالأمة* بل هو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه* ومعنى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام يتهجد بالليل * ويخلو بالله عزّ وجلّ بذكره * وقراءة كلامه* وغير ذلك مما يغنيه عن الأكل والشرب* لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نسي الأكل والشرب* خصوصاً إذا كان الشيء مما يحبه ويرضاه* ولهذا قال الشاعر في محبوبته:
لها أحــاديــث من ذكــراك تشعلهــا
عــن الشـراب وتلهيهــا عـن الــزاد
يعني أنها إذا قعدت تتحدث عن هذا الرجل تكثر من ذكره حتى يلهيها ذلك عن الطعام والشراب* وهو أمر واقع واضح . حتى إن الإنسان قد يكون في الأشغال يشتغل بها* فيلهو عن الأكل والشرب* مثل طالب العلم الذي يكون منهوماً بالعلم شغوفاً به* ربما يبقى ي مكتبته يطالع من الصباح إلى المساء * فينسى الأكل والشرب * ينسى الغداء والعشاء * وربما ينسي النوم* وكذلك طالب الدنيا منهوم لا يشبع* ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب.
ويذكر أن رجلاً غنياً كان يشتغل بحساباته وبكتاباته وماله وله زوجة* وكان له جار فقير متزوج* وكانوا يشعرون بأن هذا الجار الفقير يعاشر زوجته المعروف * فغارت زوجة الغني؛ لأن الغني غافل عنها * فقالت له: ألا تنظر إلى جارنا يعاشر زوجته بالمعروف* ويستأنس مع أهله* ففطن الرجل الغني لهذا * فدعا الرجل الفقير وقال له : إنك رجلٌ فقيرٌ تحتاج على المال* وأنا سأعطيك مالاً تتجر به* فأعطاه المال يتجر به* فانشغل به الفقير عن اهله* وصال لا يعاشرهم ولا يؤنسهم * فصار مثل التاجر.
فالإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه أنساه كلّ شيء * ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :" إني ابيت عند ربي يطعمني ويسقين" فلست كهيئتكم* وما زعمه بعض أهل العلم من أن المراد بالإطعام والإسقاء* الإطعام من الجنة والإسقاء من الجنة فليس بصحيح ؛ لأنه لو طعم طعاماً حسياً وشرب شراباً حسياً* لم يكن واصلاً* وإنما المراد بالطعام والسقي ما يشتغل به صلى الله عليه وسلم من ذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه.
والحاصل : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل وينهى أمته على الوصال رحمة بهم* فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* * *
231- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي – رضي الله عنه قال- قال : رسول الله صلى الله عليه وسل :" إني لأقوم إلى الصلاة* وأريدُ أن أُطول فيها فأسمع بُكاء الصبي * فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" رواه البخاري [373].
232- وعن جُندب بن عبد الله – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله * فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء* فإنه من يطلبه من ذكته بشيء يُدركهُ* ثم يكفه على وجهه في نار جهنم " رواه مسلم [374].
الشرح
ذكر المؤلف – رحمه الله تعالى – في باب الرفق بالمسلمين فيما نقله عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري- رضي الله عنه – عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال :" إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه" هذا الحديث من النماذج التي تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته* كما وصفه الله تعالى به في قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)
* فهو يدخل في صلاة الجماعة يريد أن يطيل فيها * والمراد الإطالة النسبية* ليست الإطالة الزائدة عما كان يفعله من قبل* فإذا سمع بكاء الصبي أوجز وخفف مخافة أن يشق على أمه؛ لأن أمه إذا سمعت بكاءه فإنه يشق عليها أن تسمع بكاء ابنها* وربما يشغلها كثيراً عن الصلاة * فيخفف عليها الصلاة والسلام لأجل ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد منها:
أولاً: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليها.
ثانياً: جواز حضور النساء إلى المساجد ليصلين مع الجماعة* وهذا ما لم تخرج المرأة على وجه لا يجوز* مثل أن تخرج متعطرة أو متبرجه* فإن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مقال:" إيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء" [375].
ثالثاً: جواز إدخال الصبيان المسجد * هذا إذا كان صبيها معها* وإن كان خارج المسجد قريباً منه فليس فيه دلالة* لكنه يصعب أن تسمع المرآة بكاء صبيها في البيت وهي في المسجد* فالظاهر أن صبيانهن كانوا معهن فيكون فيه دليلٌ على جواز إدخال الصبيان المساجد* لكن بشرط أن لا يحصل منهم أذية لا على المسجد ولا على المصلين * فإن كان يخشى منهم أذية على المسجد كتلويثه بالبول والنجاسة؛ فإنهم يمنعون * وكذلك إذا كان يخشى منهم التشويش على الناس بالصراخ والركض والجلبة* فإنهم يمنعون أيضاً . أما إذا لم يكن منهم بأس ؛ فإنه لا بأس أن يؤتى بهم إلى المساجد.
وأما حديث " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" فهو ضعيف [376].
رابعاً: أنه يجوز للمصلى أن يسمع ما حوله ولا يلزمه أن يسدّ أذنيه* بل له أن يسمع* لكن إن كان ما حوله يشوش عليه إذا سمعه فلا يصلينَّ حوله وإنما يبعد * كما لو أراد الإنسان أن يصلى في المسجد وحوله حلقة ذكر أو حلقة قرآن* ويخشي أن يشوشوا عليه إذا دنا منهم* فليبعد* وأما إذ لم يشوشوا فلا بأس أن يسمع بخلاف الاستماع فإن المصلي لا يستمع إلا إلى قراءة إمامه.
وعلى هذا إذا كنت تصلي وجاء القارئ يقرأ حديثاً أو موعظة* فلا تشد سمعك إليه* لا تستمع؛ لأن هذا غير مشروع* ولا تجعل تركيزك معه* أما إذا سمعته ولكنك ماضٍ في صلاتك لم تهتم به ولم تلتفت إليه فلا بأس.
خامساً: ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للمصلي أن يغير نيته من تطويل إلى تخفيف أو بالعكس* إذا وُجد سبب لذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة يريد أن يطيلها فيخفف.
فإذا دخل الإنسان في صلاته وهو يريد أن يطيل * ثم جاءه شخص وقال له: عند الباب ضيوف أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس أن يخفف ليذهب إلى ضيوفه كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل هذا.
سادساً: ومن فوائد هذا الحديث:
أنه لا حرج على الإنسان إذا شق عليه بكاء ابنه أو ما يؤذي ابنه من ألمٍ أو شبهه؛ لأن هذا من الأمور الفطرية الطبيعية* فإن كل إنسان يشق عليه أن يسمع بكاء أبنه؛ بل إن من الناس من يشق عليه أن يسمع بكاء الصبي مطلقاً حتى ولو لم يكن أبناء له رحمة بالصبيان* ولا شك أن الرحمة بالصبيان ومراعاتهم واتقاء ما يؤذيهم من أسباب الرحمة * كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من قبل :" من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " و " الراحمون يرحمه الرحمن" و " إنما يرحم الله من عباده الرحماء" وأشباه هذه الأحاديث * فكون الإنسان يشق عليه بكاء الصبيان رحمة لهم* لا شك أن هذا من الخلق المحمود؛ لأنه رحمة بهؤلاء الصغار الذين هم أهل للرحمة * الله الموفق.
ثم ذكر المؤلف – رحمه الله – حديث جندب بن عبد الله – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من صلى الفجر فهو في ذمة الله " الفجر هي الصلاة الأولى عند بعض العلماء . وعند بعض العلماء أن الصلاة الأولى هي صلاة الظهر* لكن الأصح أن الصلاة الأولي هي صلاة الفجر* والثانية: الظهر* والثالثة: العصر* وهي الوسطى* والرابعة : المغرب* والخامسة: العشاء..
وصلاة الفجر تأتي وكثيرٌ من الناس نيام* ولهذا يتكاسل عنها المنافقون * كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أثقل الصلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر* ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا" [377]
وهي وصلاة العصر أفضل الصلوات الخمس ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسمل :" من صلى البردين دخل الجنة" [378].
و البردان هما : الفجر والعصر؛ لأن الفجر براد الليل* والعصر براد النهار* وقوله:" من صلى الفجر" ظاهره من صلى في جماعة أو غير جماعة.
وقوله:" فهو في ذمة الله " أي في عهده* يعني أنه دخل في عهد الله فكأنه معاهد لله عزّ وجلّ أن لا يصيبه أحد بسوء* ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :" فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء" يعني لا يترك عهد على من صلى الفجر؛ لأنه في ذمة الله وفي عهده* فإياكم أن يطلبكم الله تعالى من ذمته بشيء* " فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه* ثم يكبه على وجهه في النار".
ففي هذا دليلٌ على أنه يجب احترام المسلمين الذين صدقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن* فالمنافقون لا يشهدون الجماعة* ولا يصلون الفجر أبداً ؛ لأنهم إنما يصلون مراءاة للناس* فإذا لم يكن الناس ينتبهون لهم* فإنهم لا يصلون.
والفجر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليست كالفجر في يومنا هذا* بل كان الليل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً حالكاً لا يُرى الناس فيه * فيأتي الإنسان ويذهب وهو لا يُعرف * لكن ليلنا الآن – ولله الحمد – كنهارنا بما أنعم الله علينا به من هذه الإضاءة بالكهرباء* لكنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لظلمتها ومشقتها ؛ كان المنافقون لا يصلون الفجر والعشاء جماعة. والحاصل أن هذا الحديث يدل على وجوب احترام المسلمين الذين برهنوا على إسلامهم بصلاة الفجر* وإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم.
233- وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المسلم أخو المسلم* لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه: كان الله في حاجته* ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة؛ من كرب يوم القيامة* من ستر مسلماً؛ ستره الله يوم القيامة" متفق عليه [379].
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى – فيما نقله عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسمل قال:" المسلم أخو المسلم" يعني في الدين* كما قال الله تبارك وتعالى: ( فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً )(آل عمران:م103) وقال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)(الأحزاب:5)وهذه الأخوة هي أوثق الأخوات * أوثق من أخوة النسب* فإن أخوة النسب قد يتخلف مقتضاها* فيكون أخوك من النسب عدواً لك كارهاً لك * وذلك يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67).
أما أخوة الدين فإنها أخوة ثابتة راسخة في الدنيا وفي الآخرة * تنفع الإنسان في حياته وبعد مماته* لكن هذه الأخوة لا يترتب عليها ما يترتب على أخوة النسب من التوارث ووجوب النفقة وما أشبه ذلك.
ثم قال : " لا يظلمه ولا يسلمه" لا يظلمه لا في ماله * ولا في بدنه* ولا في عرضه* ولا في أهله* يعني لا يظلمه بأي نوع من الظلم " ولا يسلمه يعني لا يسلمه لمن يظلمه * فهو يدافع عنه ويحميه من شره* فهو جامع بين أمرين:
الأمر الأول: أنه لا يظلمه.
والأمر الثاني: أنه لا يسلمه لمن يظلمه بل يدافع عنه.
ولهذا قال العلماء – رحمهم الله -: يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه فعرضه وبدنه وماله. في عرضه: يعني إذا سمع أحداً يسبه ويغتابه * يحب عليه أن يدافع عنه. وكذلك أيضاً في بدنه : إذا أراد أحد أن يعتدي على أخيك المسلم وأنت قادر على دفعه* وجب عليك أن تدافع عنه* وكذلك في ماله: لو أراد أحد أن يأخذ ماله* فإنه يجب عليك أن تدافع عنه.
ثم قال عليه الصلاة والسلام:" والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه" يعني أنك إذا كنت في حاجة أخيك تقضيها وتساعده عليها؛ فإن الله تعالى يساعدك في حاجتك ويعينك عليها جزاءً وفاقاً.
ويُفهم من ذلك أن الإنسان إذا ظلم أخاه؛ فإن أخوته ناقصة* وإذا أسلمه إلى من يظلمه؛ فإن أخوته ناقصة* وإذا أسلمه إلي من يظلمه* فإن أخوفه ناقصة* وإذا لم يكن في حاجته* فإن هذا يفوته الخير العظيم* وهو كون الله تعالى في حاجته.
ثم قال:" ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" الكرب ما يضيق على الإنسان ويشق عليه * ويجد له في نفسه هماً وعماً* فإذا فرجت عن أخيك هذه الكربة؛ فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة.
وتفريج الكربات يكون في أمور متعددة: إن كانت كربة مالية؛ فبإعطائه المال الذي تزول به الكربة* وإن كانت كربة معنوية؛ فبالحرص على رد معنويته ورد اعتباره حتى تزول عنه الكربة* وإذا كامن كربة هم وغم؛ فبأن توسع عليه وتنفس له * وتبين له أن الأمور لا تدوم* وأن دوام الحال من المحال* وتبين له ما في هذا من الأجر والثواب العظيم* حتى تهون عليه الكربة.
" ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة" من ستر يعني : غطى عيبه ولم يبينه* فإن الله يستره في الدنيا والآخرة* وهذا ليس على إطلاقه فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق* فالستر قد يكون مأموراً به محموداً* وقد يكون حراماً * فإذا رأينا شخصاً على معصية *وهو رجلٌ شرير منهمك في المعاصي* لا يزيده الستر إلا طغياناً؛ فإننا لا نستره* بل نبلغ عنه حتى يُردع ردعاً يحصل به المقصود. أما إذا لم تبدر مه بوادر سيئة* ولكن حصلت منه هفوة * فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد* لا للجهات المسؤولة ولا لغيرها* فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة.
ومن ذلك أيضاً أن تستر عنه العيب الخلقي* إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك* وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس فإنك تستره* إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة. وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق وواسع الصدر * وأنت تعرف عنه خلاف ذلك* فاستره . فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة فالستر كما قلت بالنسبة للأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون من شخص منهمك في المعاصي مستهتر* فهذا لا نستر عليه.
وقسم آخر حصل منه هفوة* فهذا هو الذي نستر عليه. أما الأمور الأخرى فالستر فيها أكمل وأفضل * الله المستعان.
* * *
234- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسمل :" المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذلهُ. كل المسلم على المسلم حرامٌ: عرضه وماله ودمهُ* التقوى هاهنا* بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه الترمذي وقال : حديث حسن [380]
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" المسلم أخو المسلم" وقد تقدم الكلام على هذه الجملة. وأن هذه الأخوة أخوة الإيمان* وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب * وبينا وجه ذلك فيما سبق.
وبين هنا في هذا الحديث أنه " لا يظلمه ولا يخونه ولا يكذبه" لا يخونه يعني لا يغدر به في محل الائتمان* إذا ائتمنه على شيء* أو على مال * أو على سر* أو على غير ذلك فإنه لا يخونه* والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان* ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه.
يعني وإن خانك أخوك المسلم فلا تخنه * لقول النبي صلى الله عليه وسمل : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك* ولا تخن من خانك" [381] فلو فرضنا أن شخصاً خانك في مال؛ بان أقرضته مالاً أي سلفته* ثم أنكر بعد ذلك وقال: لم تقرضني شيئاً ؛ فإنه لا يحل لكل أن تخونه فتقترض منه ثم تنكره* بل أد إليه أمانته وأسال الله الحق الذي لك؛ لقول عليه الصلاة والسلام :" لا تخن من خانك".
كذلك أيضاً " لا يكذبه" أي لا يحدثه بكذب* والكذب حرام* وكلما كان آثاره أسوأ كان أشد إثماً. وليس في الكذب شيء حلالاً * وأما من ادعاه بعض العامة حيث يقولون: إن الكذب نوعان: أسود وأبيض* فالحرم هو الأسود* و الحلال هو الأبيض* فجوابه : أن الكذب كله أسود * ليس فيه شيء أبيض* لكن يتضاعف إثمه بحس ما يترتب عليه * فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم * أو غررٌ على مسلم* صار اشد إثماً* وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار*فإنه أخف ولكنه حرام.
لكن ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين الناس وفي الحرب* وفي حديث الرجل امرأته .وحديثها إياه" [382]
ولكن كثيراً من العلماء قال : إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح* وإنما هو التورية* والتورية تسمى كذباً * كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين يأتي الناس له يوم القيامة ليشفع لهم : إنه كذب ثلاث كذبات [383]* وهو لم يكذب ولكنه ورى تورية* يعني أظهر للمخاطب شيئاً غير الذي يريده نهو * فبعض العملاء يقول : إن هذا الحديث الذي فيه أن الكذب يجوز في هذه الأشياء الثلاثة* يراد به كذب التورية لا الكذب الصريح* وعلى هذا فلا يستثنى من الكذب شيء* وكل الكذب حرام * ثم أعلم الكذب يحار فيه الإنسان ويعجز عنه معالجته كما قيل:
لـي حيلــة في مـن ينـمُّ وليس في الكــذاب حيـلة
من كــان يخلق مــا يقولُ فحيلــتي فـيـه قليلــه
الذي ينمُّ والذي يلقي النميمة بين الناس * لي فيه حيلة أي يمكن أن احتال و اتخلص منه ومن شره* لكن الذي يكذب يقول فعلت وفعلت وهو كاذب. ليس في فيه حيلة إذا كان يخلق ما يقول وما شاء قاله* فهذا مشكل ليس لي فيه حيلة* ولهذا قال هنا :" ولا يكذبه".
وفي لفظ " ولا يحقره" يعني لا يحتقره ولا يستصغره* حتى وإن كان اكبر منه سناً* وإن كان أكثر منه مالاً* وإن كان أغزر منه عالماً فلا يحقره.
واحتقار الناس من الكبر- والعياذ بالله – قال النبي صلى الله عليه وسلم :" الكبر بطر الحق* وغمط الناس" [384]بطر الحق يعني ردّه* وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فالمسلم يرى أخاه بعين الإكبار ويحترمه ويعظمه * والعامة يقولون: احترام الناس يحترمونك* يعني من راي الناي يعني الاحتقار وأوه بعين الاحتقار ظن ومن رآهم بين الإكثار والإجلال* راوه بعين والإجلال* وهذا شيء مشاهد.
ولهذا تجد الرجل المتواضع اللين الهين محترماً عند الناس كلهم* لا أحد يكرهه* ولا أحد يسبه والإنسان الشامخ بأنفه المستكبر المحتقر لغيره* تجده مكروهاً مذموماً عند الناس* ولولا حاجة الناس إليه إذا كانو يحتاجون غليه ما كلمه أحد ؛ لأنهم يحتقرونه.
ثم قال عليه الصلاة والسلام :" التقوى ها هنا" أشار إلى صدره ثلاث مرات* يعني أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب؛ أتقت الجوارح* وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : " ألا وإن ف الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله* إلا وهي القلب" [385] فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله عزّ وجلّ وخوفٌ منه وخشيه له* استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب.
وقد مثل بعض العلماء ومنهم أبو هريرة رضي الله عن بالقلب بالملك المطاع مع جنوده* فالملك المطاع مع جنوده إذا أمرهم بشيء أطاعوه* ولكن بعض العلماء قال : إن هذا المثال أنقص من قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا صلحت صلح الجسد كله" وذلك لأن الملك مع جنوده وإن كان مطاعاً فإنهم لا يصلحون بصلاحه* لكن القلب إذا صلح صلح الجسد * وإذا اتقي اتقى الجسد .
واعلم أن من الناس من يجادل بالباطل بهذا الحديث *فإذا أمرته بمعروف * أو نهيته عن منكر * قال * التقوى هاهنا تقول له: لا تحلق لحيتك فحلق اللحية حرام * وحلق اللحية من طريقة المجوس والمشركين* وإعفاء اللحية من هدي النبيين والمرسلين وأولياء الله الصالحين. إذا قلت له هذا قال : التقوى هاهنا . التقوى ها هنا . نقول له : كذبت وإنه ليس في قلبك تقوى* لو كان في قلبك تقوى لاتقيت الله ؛ لأن القلب إذا اتقى اتقت الجوارح* وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح.
وفي قوله : "التقوى ها هنا " وإشارته على صدره دليلٌ على أن العقل في القلب الذي في الصدر* وهذا هو المطابق للقرآن تماماً * قال الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46) * فقال: (قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) * ثم قال (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
وليس القلب هو الخ كما يظنه بعض الجهال* فالعقل في القلب. ولكن المخ لا شك أن له اثراً في أعمال العبد* في حركاته* وفي سكناته* لكنهم قالوا: إن المخ مثل الخادم * يهيئ الأشياء ويطبخها * ثم يبعث بها إلي القلب * ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من اجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم* فيكون هذا المخ خادماً للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتيه إلى المخ* والمخ هو الذي يحرك البدن* ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء.
ثم قال صلى الله عليه وسلم " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" يعني لو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله* لكان كافياً في الإثم والعياذ بالله * في هذا التحليل أعظم زاجر من احتقار أخيك المسلم* وأن الواجب عليك أن تحترمه وتعظم بما فيه من الإسلام والإيمان.
ثم قال صلى الله عليه وسلم :" كل المسلم على المسلم حرام * دمه وماله وعرضه": " كل المسلم على المسلم حرام * دمه "فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك " وماله" فلا يؤخذ ماله * ولا غصباً * ولا سرقة* ولا خيانة* ولا دعوى ما ليس له * ولا غير ذلك بأي طريق* فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك.
" وعرضه" بأن لا تنتهك عرضه * وتتكلم فيه بين الناس* سواء كنت صادقاً فيما تقول أو كاذباً ؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الغيبة فقال : " ذكرك أخاك بما يكره" قالوا : يا رسول الله * أريت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته* وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (1)فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال صلى الله عليه وسلم " :" كل المسلم على المسلم حرام * دمه وماله وعرضه".
* * *
235- وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحاسدوا *ولا تجاسسوا* ولا تباغضوا* ولا تدابروا * ولا يبع بعضكم على بيع بعض* وكونوا عباد الله إخوانا * المسلم أخو المسلم :لا يظلمه ولا يحقره* ولا يخذلهُ * التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم * كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم [386].
" النجش " أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه * ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرامٌ" والتدابر " أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
الشرح
قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة- رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحاسدوا " أي لا يحسد بعضكم بعضاً . والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد* ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال * أو البنين * أو بالزوجة* أو بالعلم أو بالعبادة * أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أن لم تتمن.
وإن كان بعض العلماء يقول : إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره* ولكن هذا أخبث وأشده* وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على الشخص فهو حسد *والحسد* من خصال اليهود* فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله * قال الله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) (البقرة:109) وقال تعالى فيهم : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54)* ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله على غير ليعود هذا الشيء إليك* أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك.
وأعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة:
منها : أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله * الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ومنها: أن فيه دليلاً على خبث نفس الحاسد * وأنه لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لم يحسد الناس على شيء؛ بل يفرح إذا أنعم الله عليه غيره بنعمة ويقول : اللهم آتني مثلها * كما قال الله تعالى : (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء:32).
ومنها : أن فيه إعتراضاً على قدر الله عزّ وجلّ وقضائه* وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل ؟ الله عزّ وجلّ* فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره * ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه – نسأل الله العافية-؛ لأنه يريد أن يزاحم ربّ الأرباب جلّ وعلا في تدبيره وتقديره.
ومن مفاسد الحسد: أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة ؛ التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائماً في حسده وفي غم* لأن نعم الله على العباد لا تحصى * وهو رجلٌ خبيث كلما أنعم اله على عبده نعمة على ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه.
ومن مفاسد الحسد: انه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال صلى الله عليه وسلم :" إياكم والحسد* فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" [387]
ومن مفاسده: أنه يعرقل الإنسان على السعي في الأشياء النافعة؛ لأنه دائماً يفكر ويكون في غم؛ كيف جاء هذا الرجل مالٌ؟ كيف جاءهم علم؟ كيف جاءه ولد؟ كيف جاءه زوجة ما أشبه ذلك * فتجده دائماً منحسراً منطوياً على نفسه* ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها * نسأل الله العافية.
ومن مفاسد الحسد: أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة * لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها.
ومن مفاسد الحسد أيضاً : أنه لا يمكن أن يغير شيء مما قضاه الله عزّ وجلّ ابدأً * مهما عملت * ومهما كرهت. ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم * فإنك لا تستطيع شيئاً.
ومن مفاسده: أنه ربما يتدرج بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة الذي يحسد الناس * لأن العائن نفسه شريرة حاسدة حاقدة* فإذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين* فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد *فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأينهم * ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضرّ العباد. إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم * ولهذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف* يعني إذا عان أحداً وأتلف شيئاً من ماله أو أولاده أو غيرهم * فإنه يضمن* كما أنهم قالوا: إن من اشتهر بذلك* فإنه يجب أن يُحبس إلا أن يتوب * يحبس أتقاء شره* لأنه يؤذى الناس ويضرهم فيحبس كفاً لشره.
ومن مفاسد الحسد: انه يؤدي إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض* والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه* تجده محبوباً من الناس* الكل يحبه* ولهذا دائماً نقول: والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد* وفلان رجلٌ خبيثٌ حسود وحقود وما أشبه ذلك.
فهذه عشر مفاسد كلها في الحسد * وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسل حيث قال:" لا تحاسدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضاً* فإن قال قائل : ربما يجد الإنسان في نفسه إنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير * فهل هذا من الحسد؟ فالجواب : أن ذلك ليس من الحسد؛ بل هذا من التنافس في الخيرات* قال الله تعالى : (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات:61) فإذا أحب الإنسان أن يتقدم على غيره في الخير * فها ليس من الحسد في شيء الحسد أن يكره الخير لغيره.
واعلم أن للحسد علامات: منها أن الحاسد يحب دائماً أن يخفي فضائل غيره* فإذا كان إنسان ذا مال * ينفق ماله في الخير من صدقات وبناء مساجد* وإصلاح طرق* وشراء كتب يوقفها على طلبة العلم وغير ذلك فتجد هذا الرجل الحسود إذا تحدث الناس على هذا المحسن يسكت وكأنه لم يسمع شيئاً* هذا لا شك إن عنده حسداً؛ لأن الذي يحب الخير يحب نشر الخير للغير* فإذا رأيت الرجل إذا تكلم عن أهل الخير بإنصاف وأثنى عليهم وقال: هذا فيه خيرٌ وهذا محسن* هذا كريم* فهذا يدل على طيب قلبه وسلامته من الحسد. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الحسد * ومن منكرات الأخلاق والأعمال.
أما قوله: " ولا تناجشوا" فالنجش هو أن يزيد في السلعة على أخيه وهو لا يريد شراءها *وإنما يريد أن يضرّ المشتري* أو ينفع البائع * أو الأمرين جميعأً.
مثال ذلك : عرضت سلعة في السوق فصار الناس يتزايدون فيها* فقام رجل فجعل يزيد فيها وهو لا يريد الشراء* تسام بمائة فقال بمائة وعشرة وهو لا يريد أن يشترى* ولكنه يريد أن يزيد الثمن على المشترى* أو يريد أن ينفع البائع فيزيد الثمن له أو الأمرين جميعاً * فهذا حرامٌ ولا يجوز لما فيه من العدوان . أما إذا زاد الإنسان في الثمن عن رغبة في السلعة * ولكن لما ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به * فإن كثيراً من الناس يزيد في السلعة؛ لأنه يرى أنها رخيصة * فإذا زادت قيمتها تركها * فهذا ليس عليه بأس . كما أن من الناس من يزيد في السلعة يريدها ويزيد في ثمنها حتى تخرج عن قيمتها كثيراً.
فالناس على زيادتهم في السلعة على ثلاث أقسام:
القسم الأول: نجش وهو حرام.
الثاني: يزيد فيها لأنه يرى أنها رخيصة* وأنها ستكسبه * وليس له قصد في عين السلعة ولا يريدها بعينها* لكن لما رأي أنها رخيصة وأنها ستكسبه جعل يزيد * فلما ارتفعت قيمتها تركها * فهذا لا بأس به.
الثالث: أن يكون له غرض في السلعة* يريد أن يشتري هذه السلعة * فيزيد حتى يطيب خاطره ويظفر بها* فهذا أيضاً لا بأس به.
وقوله صلى الله عليه وسلم :" ولا تباغضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضاً* وهذا بالنسبة للمؤمنين بعضهم مع بعض* فلا يجوز للإنسان أن يُبغض أخاه أي : يكرهه في قلبه ؛ أنه أخوه * ولكن لو كان هذا الأخ من العصاة الفسقة* فإنه يجوز لك أن تبغضه من أجل فسقه* ولا تبغضه بغضاً مطلقاً * لكن أبغضه على ما فيه من المعصية * وأحبه على ما فيه من الإيمان.
ومن المعلوم أننا لو وجدنا رجلاً مسلماً يشرب الخمر* ويشرب الدخان* ويجر ثوبه خيلاء * فإننا لا نبغضه كما نبغض الكافر* فمن أبغضه كما يبغض الكافر انقلب على وجهه * كيف تسوي بين مؤمن عاصٍ فاسق * وبين الكافر ؟ هذا خطأ عظيم . ربما بعض الناس يكره المؤمن الذي عنده هذا الفسق أكثر مما يكره الكافر * وهذا – والعياذ بالله – من انقلاب الفطرة فالمؤمن مهما كان خيرٌ من الكافر .
فأنت أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما معه من الإيمان فإن قلت : كيف يجتمع حب وكراهية في شيء واحد؟
فالجواب: أنه يمكن أن وكراهة في شي واحد* أرايت لو أن الطبيب وصف لك دواءاً مراً منتن الرائحة ولكنه قال : أشربه وسوف تشفى بإذن الله * فإنك لا تحب هذا الدواء على سبيل الإطلاق؛ لأنه مر وخبيث الرائحة* ولكنك تحبه من جهة أنه سبب للشفاء * وتكرهه لما فيه من الرائحة الخبيثة والطعم المر.
هكذا المؤمن العاصي* لا تكرهه مطلقاً * بل تحبه على ما معه من الإيمان * وتكرهه على ما معه من المعاصي* ثم إن كراهتك إياه لا توجب أن تعرض عن نصيحته * بأن تقول : أنا لا أتحمل أن أواجه هذا الرجل لأني اكره منظره* بل أجبر نفسك واتصل به وانصحهُ* ولعل الله أن ينفعه على يديك ولا تيأس * كم من إنسان استبعدت هدايته فهداه الله عزّ وجلّ بمنه وكرمه.
والأمثلة على هذا كثيرة في قوتنا الحاضر وفيما سبق ؛ في وقتنا الحاضر يوجد أُناسٌ فسقة يسر الله لهم من يدعوهم إلى الحق فاهتدوا * وصاروا أحسن من الذي دعاهم* وفيما سبق من الزمان أمثلة كثيرة* فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان سيفاً مسلولاً على المسلمين * ومواقفه في أُحد مشهورة حيث كرّ هو وفرسان من قريش على المسلمين من عند الجبل* وحصل ما حصل من الهزيمة* ثم هداه الله تعالى . وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من أكره الناس لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهداه الله وكان من أولياء الله * فكان الثاني في هذه الأمة .
لذلك فلا تيأس * ولا تقل إنني لا أطيق هذا الرجل لا منفطراً لا مسمعاً * ولا يمكن أن أذهب إليه * بل اذهب ولا تيأس* فالقلوب بيد الله عزّ وجلّ* نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.
فإن قال قائل: البغضاء هي انفعال في النفس * والأشياء الانفعالية قد لا يطيقها الإنسان كالحب مثلاً* فالحب لا يملك الإنسان أن يحب شخصاً؛ أو يقلل من محبته* أو أن يزيد في محبته إلا بأسباب * ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم بين زوجاته:" اللهم هذا قسمي فيما أملك* فلا تلومني فيما لا أملك [388]" يعني في المحبة* ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجب عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها من زوجاته * لكن هذا بغير اختيار.
فإذا قال قائل : الغضب انفعال لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه * فالجواب: الانفعال يحصل بفعل* فأنت مثلاً لا تحب شخصاً إلا لأسباب : إيمانه * نفعه للخلق* حسن خلقه* خدمته لك* أو غيرها من الأشياء الكثيرة* تذكر هذه الأسباب فتحبه* ولا تكره شخصاً إلا لسبب* تذكر الأسباب التي توجب الكراهة فتكرهه * لكن مع ذلك ينبغي للإنسان أن يعرض عن الأسباب التي توجب البغضاء مع أخيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تباغضوا"
لكنى أقول : إن البغضاء لها أسباب * والمحبة لها أسباب *فإذا عرضت عن أسباب البغضاء وتناسيتها وغفلت عنها زالت بإذن الله * وهذا هو الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام بقوله " لا تباغضوا" وهو نظير قوله للرجل الذي قال : يا رسول الله أوصني* قال " لا تغضب" قال : أوصني * قال " لا تغضب" قال:" اوصني" قال :" لا تغضب" ردد مراراً قال :" لا تغضب" [389].
قد يقول الإنسان عن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم * كما جاء في الحديث [390]* فلا سبيل اله إلى إخماده* ونقول : بل له سبيل * افعل الأسباب التي تخفف الغضب حتى يزول عنك الغضب.
قال : " ولا تدابروا " فهل المراد ألا يولي بعضكم دبر بعض من التدابر الحسي؟ بمعني مثلاً أن تجلس وتذر الناس وراءك في المجالس. نعم هذا من المدابرة* ومن المدابرة أيضاً المقاطعة في الكلام حين يتكلم أخوك معك وأنت قد صددت عنه * أو إذا تكلم وليت وتركته * فهذا من التدابر وهذا التدابر حسي.
وهناك تدابر معنوي * هو اختلاف الرأي * بحيث يكون كل واحد منا له رأى مخالف للآخر * وهذا التدابر في الرأي أيضاً نهي عنه الرسول علي الصلاة والسلام.
وعندي أن من التدابر ما يفعله بعض الأخوة إذا سلم من الصلاة تقدم على الصف مقدار شبر أو نحوه * فهذا فيه نوع من التدابر * ولهذا شكا إلى بعض الناس هذه الحال* قال بعض الناس إذ سلمنا تقدم قليلاً ثم يحول بيني وبين الإمام* لا سيما إذا كان هناك درس فإنه يحول بينى وبين مشاهدة الإمام * ومعلوم أن الإنسان إذا كان يرى المدرس كان أنبه له وأقرب للفهم والإدراك* فبعض الناس يكره هذا الشيء * لذا أيضاً ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرة وفطنة فلا تتقدم على إخوانك وتجعلهم وراءك* إذا كان بودك أن تتوسع فقم وتقدم بعيداً واجلس إذا كنت في الصف الأول* وإن كنت في الصف الثاني تأخر * أما أن تتقدم على الناس وهم وراء ظهرك* فهذا فيه نوع من سوء الأدب .وفيه نوع من التدابر.
فينبغي في هذه المسألة وفي غيرها أن يتفطن الإنسان لغيره* وأن لا يكون أنانياً يفعل فقط ما طرأ على باله فعله* دون مراعاة للناس * ودون حذر من فعل ما يُنتقد عليه.
أما الجملة الخامسة فهي قوله :" ولا يبيع بعضكم على بيع بعض " لا بيع بعضكم على بيع بعض ؛ لأن هذا يؤدي إلى الكراهية والعداوة والبغضاء. ومثال بيع الإنسان على بيع أخيه: أن يذهب لمن اشترى سلعة من شخص بمائة فيقول : أنا أعطيك مثلها بثمانين * أو أعطيك أحسن منها بمائة فيرجع المشتري ويفسخ العقد الأول ويعقد مع الثاني* ففي هذا عدوان ظاهر على حق البائع الأول* وهذا العدوان يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين.
مثال ذلك الشراء على شرائه * مثل أن يذهب إلي شخص باع سلعة بمائة فيقول له أنا أشتريها منك بمائة وعشرين* فيذهب البائع ويفسخ العقد ويبيع على الثاني* فهذا أيضاً حرامٌ * لأنه بمعنى البيع على البيع .
ولكن هل هذا خاص في زمن الخيار أو عام؟
الحديث عام انه لا يحل لك أن تبيع على بيع أخيك سواء في زمن الخيار أولا * و قال بعض العلماء : إنه محمول على ما إذا كان ذلك في زمن الخيار؛ لأنه إذا أنتهي وهن الخيار فإنه لا يستطيع أو يفسد العقل ومثال ذلك: رجل باع عل شخص سيارة بعشرة آلاف ريال* وجعل له الخيار ثلاثة أيام * فذهب شخص إلى المشترى وقال : أنا أعطيك أحسن منها بعشرة آلاف ريال* فأغري المشترى أن يذهب للبائع ويقول : فسخت العقد* أو يذهب شخص إلي البائع ويقول: سمعت أنك بعت سيارتك على فلان بعشرة الآف ريال* أنا أعطيك أحد عشر ألفاً * فيفسخ البيع ويرد ويبيعها على الثاني.
أما إذا كان بعد انتهاء المدة فقال بعض العلماء : إنه لا بأس * يعني بعد أن باعه وجعل له الخيار ثلاثة أيام وانتهت الأيام الثلاثة* فلا بأس أن يذهب إلى الشخص الذي أشتراها ويقول : أنا أعطيك مثلها بأقل * أو أحسن منها بالثمن الذي اشتريت به* وعللوا ذلك بأنه لا يمكنه حينئذ ان يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار.
ولكن ظاهر الحديث العموم* لأنه وإن كان لا يمكنه أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار فإنه قد يحاول أن يوجد مفسدا للعقد * أو على الأقل يندم على شرائه* ويعتقد أن البائع غبنه وانه لعب عليه * فيحدث له بذلك العداوة والبغضاء وهذا مع قرب المدة* أما إذا طالت المدة فلا بأس بها ؛ لأنه إذا طالت المدة فإنه من المعتذر أو المتعسر كثيراً أن يفسخ العقد.
والحاصل أن لدينا ثلاث حالات:
الحال الأول: أن يكون البيع أو الشراء على أخيه في زمن الخيار فلا شك في أنه حرام.
والحال الثانية: أن يكون بعد انتهاء زمن الخيار بمدة قريبة * ففيه خلاف بين العلماء* والصحيح أنه حرام.
والحال الثالثة: أن يكون بعد زمن بعيد * كشهر أو شهرين أو أكثر فهذا لا بأس به * ولا حرج فيه ؛ لأن الناس يتبادلون السلع فيما بينهم على هذا الوجه * وعلى وجوه أخرى.
ومثل ذلك : الإجارة على إجارته مثل أن يذهب شخص إلى آخر استأجر بيتاً من إنسان السنة بألف ريال* قال له أنا عندي لك أحسن منه بثمانمائة ريال * فهذا حرام لأنه عدوان كالبيع على بيعه.
ومثل ذلك أيضاً : السوم على سومه* وقد جاء صريحاً فيما رواه مسلم [391] * ويسوم على سومه يعني إذا سام شخص سلعة من آخر * وركن إليه صاحب السلعة* لم يبق إلا العقد * مثل أن يقول : بعها على بألف فيركن إليه البائع* ولكن لم يتم العقد* بل يجزم أن يبيع عليه* فيأتي إنسان آخر ويقول :" أنا أعطيك بها ألفاً ومائه* فإن هذا لا يجوز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يسم على سوم أخيه".
ومثل ذلك أيضا في النكاح * إذا خطب شخص من آخر فلا يحل لأحد أن يخطب على خطبته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ولا يخطب على خطبة أخيه" وكل هذا احتراماً لحقوق المسلمين بعضهم على بعض* فلا يحل للإنسان أن يعتدي على حق إخوانه ؛ لا ببيع ولا شراء ولا إجارة ولا سوم ولا نكاح ولا غير ذلك من الحقوق.
بقي الكلام على قوله عليه الصلاة والسلام :" التقوى هاهنا ويشير على صدره" وقد سبق لنا معنى أن التقوى في القلب * فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح* وإذا زاغ القلب زاغت الجوارح- والعياذ بالله – قال تعالى (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:108) .
واعلم أنه زيغ القلب لا يكون إلا بسبب الإنسان * فإذا كان الإنسان يريد الشر ولا يريد الخير فإنه يزيغ قلبه- والعياذ بالله – ودليل هذا قوله تعالى : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ )(الصف: 5)* وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال:70) .
فإذا علم الله من العبد نية صالحة وإرادة للخير * يسر الله له ذلك وأعانه عليه * قال الله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل:5-7).
وقوله عليه الصلاة والسلام :" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم [392] يعني لو لم يكن للإنسان من الشر إلا أن يحقر أخاه الكان كافياً * وهذا يدل على كثرة إثم من حقره إخوانه المسلمين؛ لأن الواجب على المسلم أن يعظم إخوانه المسلمين ويكبرهم ويعتقد لهم منزلة في قلبه* وأما احتقارهم وازدراؤهم فإن في ذلك من الإثم ما يكفر- نسأل الله السلامة.
ثم قال صلى الله عليه وسلم :" كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه".يعني أن المسلم حرام على المسلم في هذه الأمور الثلاثة* أي في كل شيء؛ لأن هذه الأمور الثلاثة تتضمن كل شيء؛ الدم : كالقتل والجراح وما أشبهها* والعرض : كالغيبة * والمال : وكأكل المال* وأكل المال له طرق كثيرة؛ منها السرقة* ومنها الغصب- وهو أخذ المال قهراً – ومنها أن يجحد ما عليه من الدين لغيره* ومنها أن يدعي ما ليس له وغيره ذلك.
وكل هذه أشياء حرام* ويجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله ودمه وعرضه.
* * *
236- وعن أنس رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسل مقال:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه [393].
237- وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقال رجلٌ: فإن ذلك نصره" رواه البخاري [394].
الشرح
ذكر المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه * أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لا يؤمن : يعني لا يكون مؤمناً حقاً تام الإيمان إلا بهذا الشرط؛ أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير* وما يحب لنفسه *من ترك الشر* يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه* هذا هو المؤمن حقاً * وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم * أو يكذب عليهم * أو يعتدي عليهم * كما أه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك .
وهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بؤمن* يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان.
ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره لنفسك* أو كرهت له ما تحب لنفسك.
وعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا * على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان* وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من احب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة* فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر * ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه " [395] الأول حق الله * والثاني حق العباد* تأتيك المنية وأنت تؤمن باليوم الآخر- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك- وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يُؤتى إليك.
وأما حديث أنس الثاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " النصر بمعنى الدفاع عن الغير أي دفع ما يضره * " انصر أخاك" أي ادفع ما يضره * سواء كان ظالماً أو مظلوماً * فقال رجل: يا رسول الله * أرأيت إن كان ظالماً فكيف أنصره؟ ولم يقل : فلا أنصره * بل قال : كيف انصره ؟ يعني سأنصره ولكن أخبرني كيف أنصره * قال: " تمنعه- أو قال تحجزه – من الظلم فإن ذلك نصره" فإذا رأيت هذا الرجل يريد أن يعتدي على الناس فتمنعه فهذا نصره أي بأن تمنعه * أما إذا كان مظلوماً فنصره أن تدفع عنه المظالم.
وفي هذا دليلٌ على وجوب نصر المظلوم وعلى وجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم .
238- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام *وعيادة المريض* واتباع الجنائز* وإجابة الدعوة * وتشميت العاطس" متفق عليه [396].
وفي رواية لمسلم :" حق المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه* وإذا دعاك فأجبه * وإذا استنصحك فأنصح له* وإذا عطس فحمد الله فشمته * وإذا مرض فعده * وإذا مات فاتبعه" [397]
وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ )(الحج:30) وقال تعالى:(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)* (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر:88)* وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة:32).
الشرح
قال المؤلف – رحمه الله تعالى –: " باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم" فالمسلم له حق على أخيه المسلم * بل له حقوق متعددة* بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة:
منها : إذا لقيه فليسلم عليه * يلقي عليه السلام* يقول : السلام عليكم * ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث * يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا* وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام* إذا رأيت في هذا مصلحة * ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها * فرأيت أن هجره يحمله على التوبة* ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام* وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل* وإلا فلا* حتى لو جاهر بالمعصية* فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.
ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)(الحج: 30) * ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترماً من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص * فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه* ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلاً والمساجد* أو الزمان كالأشهر الحرم " ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب" وما أشبه ذلك* فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم.
ومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين * وتنزيلهم منزلتهم * فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم * قال النبي عليه الصلاة والسلام: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" [352].
" بحسب" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه* أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم * فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله * وكذلك أيضاً تعظيم ما حرمه الله عزّ وجلّ في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار* فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهداً بينه وبين غيره من الكفار.
ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم
القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا* قال الله تعالى:( فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(التوبة:7)* فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية* فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين* ولكن قريشاً نقضوا العهد* فهؤلاء ينتقض عهدهم * ولا يكون بيننا وبينهم عهد* وهؤلاء قال الله فيهم : (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ)(التوبة:13) .
والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد* فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم * كما قال تعالى : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال:58) .
فهذه من حرمات الله عزّ وجلّ * وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله عز وجل فإن الواجب على المسلم أن يحترمه * ولهذا قال الله تعالى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه)(الحج: 30)* وقال : (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32) .
الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت* والسعى بين الصفا والمروة* والأذان والإقامة* وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلاً على تقواه * فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر.أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر: 88) وفي الاية الأخروي: ) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(الشعراء: 215) * والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به* شفيق به* كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه: ) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح: 29).
وفي قوله تعالى : (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر: 88)* دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة* كما يرتفع الطير بجناحه* فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه.وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجلّ* والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير* أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك* فربما يكون في هذا وضع لي* وتنزيل من رتبتي* ولكن هذا من وساوس الشيطان* فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء* قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف:16-17).
فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له : كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلاناً؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجلّ* حتى وإن كان عالماً أو كبيراً أو غنياً* فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمناً* أما من كان كافراً فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له* لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين* ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه* بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة * ودون إهانة له* فهذا معنى قوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(الحجر:88).
وفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215)* فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه * أن يكون هيناً ليناً بالقول وبالفعل ؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس* وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع * ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء* مثل البيع على بيع المسلم [353]* والسوم على سوم المسلم* وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس* والله الموفق.
* * *
وقال تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة:32)
222- وعن أبي مُوسى – رضي الله عنهُ- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه * متفق عليه [354].
الشرح
سبق ذكر عدة آيات في بيان تعظيم حرمات المسلمين* والرفق بهم* والإحسان إليهم * ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم قوله تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(المائدة: 32)* بين الله في هذه الآية أن من قتل نفساً بغير نفسه أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ؛ لأن حرمة المسلمين واحدة* ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين * فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين* كما أن من كذب رسولاً واحداً من الرسل * فكأنما كذب جميع الرسل. ولهذا أقرأ قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:105)* مع أنهم لم يكذبوا إلا واحداً * فإنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح* وما بعد نوح لم يدركه قومه* لكن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذّب جميع الرسل* ومن قتل نفساً محرمة* فكأنما قتل الناس جميعاً ؛ لأن حرمة المسلمين واحدة* ومن أحياها أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة؛ فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وإحياؤها وإنقاذها من الهلكة تارة يكوم من هلكة لا قبل للإنسان بها فتكون من الله * مثل أن يشبّ حريق في بيت رجل* فتحاول إنقاذه * فهذا إحياء للنفس.
وأما القسم الثاني فهم ما للإنسان فيه قبلٌ* مثل أن يحاول رجل العدوان على شخص ليقتله * فتحول بينه وبينه وتحميه من القتل* فأنت الآن أحييت نفساً. ومن فعل ذلك فكأنما أحيا الناس جميعاً ؛ لأن إحياء شخص مسلم كإحياء جميع الناس.
وقوله عزّ وجلّ : (بِغَيْرِ نَفْسٍ ) يستفاد منه أن من قتل نفساً بنفس فهو معذور و لا حرج عليه . قال الله تعالى : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ )(المائدة:45) * فإذا قتل نفساً بحق أي بنفس أخرى فلا لوم عليه ولا إثم * ويرث القاتل من المقتول إذا قتله بحق* ولا يرث القاتل من المقتول إذا قتله بغير حق.
ولنضرب لهذا مثلاً بثلاثة أخوة قتل الكبير منهم الصغير عمداً * فالذي يرث الصغير أخوه الأوسط* وأخوه الكبير لا يرثه؛ لأنه قتله بغير حق ثم طاب الأوساط بدم أخيه الصغير * فقتل أخاه الكبير قصاصاً* فهل يرث الأوسط من أخيه الكبير وهو قاتله؟ نعم يرث؛ لأنه قتله بحق. والكبير الذي قتل الصغير لا يرث؛ لأنه قتله بغير حق.
فالقتل بحق لا لوم فيه وليس له أثر؛ لأنه قصاص* والله تعالى يقول: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179).
وقوله عزّ وجلّ: (أَوْ فَسَادٍ)والفساد في الأرض ليس معناه أن يسلط الإنسان الحفار فيهدم بيتاً ولو كان ذلك بغير حق. فهذا وإن كان فساداً * لكن لا يحل به دم مسلم * والفساد في الأرض إنما يكون بنشر الأفكار السيئة* أو العقائد الخبيثة* أو قطع الطريق* أو ترويج المخدرات أو ما أشبه ذلك* هذا هو الفساد في الأرض. فمن أفسد في الأرض على هذا الوجه فهدمه هدر حلال* يُقتل لأنه ساع في الأرض بالفساد؛ بل إن الله تعالى قال في نفس السورة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ٌ) (المائدة:33)* على حسب جريمتهم * إن كانت كبيرة فبالقتل * وإن كانت دونها فبالصلب* وإن كانت دونها فبقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى** وإن كان دون ذلك فبأن ينفوا من الأرض* إما بالحبس مدى الحياة. كما قال بذلك بعض أهل العلم * وإما بالطرد عن المدن كما قاله آخرون* لكن إذا كان لا يندفع شرهم بطردهم من المدن حبسوا إلى الموت.
فالحاصل: أن من قتل نفساً لإفسادها في الأرض فلا لومه عليه؛ بل إن قتل النفس التي تسعى للإفساد في الأرض واجب* وقتل النفس بالنفس مباح إلا على رأى الإمام مالك رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية* فإن قتل الغيلة واجب فيه القصاص* يعني من غافل شخصاً فقتله فإنه يُقتل حتى ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن الغيلة شر وفساد* لا يمكن التخلص منها.
مثلاً يجيء إنسانا لشخص أثناء نومه فيقتله* فهذا يقتل على كل حال* حتى ولو قال أولياء المقتول: عفونا عنه ولا نبغي شيئاً* هذا رأي الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله * وهو القول الحق* أنه إذا قتل إنسان غيلة فلابد من قتل القاتل* ولا خيار لأولياء المقتول في ذلك:
فالحاصل إن الله بين في هذه الآية أن قتل نفس واحدة بغير نفس أو فساد في الأرض كقتل جميع الناس* وإحياء نفس واحدة كإحياء جميع الناس* وهذا يدل على عظم القتل* ولو أن إنساناً أحصى كم قتل من بني آدم بغير حق لم يقدر* ومع ذلك فكل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كِفل منها * وعليه من إثمه نصيب.
وابن آدم الذي قتل أخاه* قتله حسداً * حيث كان أول ما جاء آدم من الأبناء اثنين من بني آدم * وقد قربا قرباناً* قربة إلى الله * فتقبل الله من واحد ولم يتقبل من الآخر* فقال الثني الذي لم يتقبل منه لأخيه : لأقتلنك* لماذا يتقبل الله منك ولا يتقبل مني؟ حسده على فضل الله تعالى عليه * فقال له ربه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(المائدة: 27)* يعني اتق الله ويقبل الله منك* كلن من توعد أخاه بالقتل فليس بمتقٍ لله. وفي النهاية قتله والعياذ بالله (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة:30)* خسر- والعياذ بالله- بهذه الفعلة الشنيعة التي أقدم عليها.
ويقال : إنه بقي يحمل أخاه الذي قتله أربعين يوماً على ظهره * ما يدرى ماذا يفعل به* لأن القبور لم تعرف في ذلك لوقت* فبعث الله غراباً يبحث في الأرض* يعني بأظفاره ليريه كيف يواري سوأة أخيه* وقيل إن غرابين أقتتلا فقتل أحدهما الآخر* فحفر أحدهما للثاني فدفنه* فاقتدى به هذا القاتل ودفن أخاه* وهذا من العجائب ا* تكن الغربان هي التي علمت بني آدم الدفن.
فالحاصل: أن كل نفس تقتل بغير حق؛ فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب والعياذ بالله. وهكذا أيضاً من سنّ القتل بعد أمن الناس وصار يغتال الناس وما أشبه ذلك* وتجرأ الناس على هذا من أجل فعله* فإن عليه من الإثم نصيباً؛ لأنه هو الذي كان سبباً في انتهاك هذا* ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دُعاة الخير وفاعليه. إنه جواد كريم.
* * *
223-وعن ابي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مر في شيء من مساجدنا * أو أسواقنا * ومعه نبلٌ فيمسك * و ليقبض على نصالها بكفه أن يُصيب أحدا من المسلمين منها بشيء" متفق عليه [355].
225- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه – قال :" قبل النبي صلى الله عليه وسمل الحسن بن علي رضي الله عنهما* وعندهُ الأقرع بن حابس* فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً * فنظر اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من لا يرحم لا يرحم" متفق عليه [356].
الشرح
ذكر المؤلف – رحمه الله – جملة من أحاديث الرفق بالمسلمين * منها حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه* أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك * أو ليقبض على نصالها بكفه".
النبل: السهام التي يُرمى بها * وأطرافها تكون دائماً دقيقة تنفذ فيما تصيبه من المرمي* فإذا أمسك الإنسان بها وقى الناس شرها. وإذا تركها هكذا فربما تؤذي أحداً من الناس* ربما يأتي أحدٌ بسرعة فتخدشه * أو يمرّ الرجل الذي يمسك بها وهي مفتوحة غير ممسكة فتخدشهم أيضاً.
ومثل ذلك أيضاً العصيّ* إذا كان معك عصّا فامسكها طولاً* يعني اجعل رأسها إلى السماء ولا تجعلها عرضاً؛ لأنك إذا جعلتها عرضاً آذيت الناس الذين وراءك* ربما تؤذى الذين أمامك . ومثله الشمسية أيضاً؛ إذا كان معك شمسية وأنت في السوق فارفعها * لئلا تؤذي الناس.
فكل شيء يؤذي المسلمين أو يُخشى من أذيته فإنه يتجنبه الإنسان ؛لأن أذية المسلمين ليست بالهينة. قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:58).
ومن الأحاديث التي ذكرها المصنف حديث أبي هريرة- رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي بن أبي طالب* وكان عنده الأقرع بن * والحسن بن على بن أبي طال هو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجده من أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم* وأبوه على بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم * وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبُ الحسن والحسين؛ لأنهما سبطاه* يفضل الحسن على الحسين* لأن الحسن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم :" إن ابني هذا سيد* ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" [357] فكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما حصلت الفتنة في زمن معاوية* وآلت الخلافة إلى الحسن بعد أبيه على بن أبي طالب رضي الله عنه * تنازل عنها – رضي الله عنه – لمعاوية بن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين؛ لأنه يعلم أن في الناس أشراراً * وأنهم ربما يأتون إليه ويغرونه كما فعلوا بأخيه الحسين بن علي رضي الله عنهم * غرّه أهل العراق وحصل ما حصل من المقتلة العظيمة في كربلاء وقُتل الحسين.
أما الحسن رضي الله عنه فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان* فصار ذلك مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين".
كان عند النبي صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس من زعماء بني تميم* والغالب أن أهل البادية وأشباههم يكون يهم جفاء* فقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن* فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحداً منهم * أعوذ بالله من قلب قاسٍ لا يقبلهم ولو كانوا صغاراً * فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:" من لا يرحم لا يُرحم" يعني أن الذي لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله * ويُفهم من هذا أن من رحم عباد الله رحمه الله * وهو كذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " الراحمون يرحمهم الرحمن" [358]
ففي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم* وأنه ينبغي للإنسان أن يقبّل للإنسان أن يقبل أبناءه* وأبناء بناته* وأبناء أبنائه* يقبلهم رحمة بهم * واقتداءً برسل الله صلى الله عليه وسلم * أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان* فتجده لا يمكن صبيه من أن يحضر على مجلسه* لا أن يمكِّن صبيه من أن يطلب منه شيئاً* وإذا رآه
عند الرجال انتهره * فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة.
كان النبي عيه الصلاة والسلام يصلي بالناس إحدى صلاتي العشي* إما العصر وإما الظهر* فجاءته بنت بنته " أمامة" * فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وهو يصلي بالناس؛ إذا قام حملها * وإذا سجد وضعها [359] . فأين هذا الخلق من أخلاقنا اليوم؟ الآن لو يجد الإنسان صبيه في المسجد أخرجه فضلاً عن كونه يحمله في الصلاة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام ساجداً فجاءه الحسن أو الحسين فركب عليه – أي جعله راحلة له- فأطال النبي صلى الله عليه السجود * فلما سلم قال:" إن أبني أرتحلني وإني كرهت أن أقٌوم حتى يقضي نهمته" [360].
وكان صلى الله عليه وسم ليخطب الناس يوماً على المنبر* فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما* فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وحملهما بين يديه وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن:15)
* نظرت إليى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر" يعني فما طابت نفسه حتى نزل وحملهما .
ففي هذا كله وأمثاله دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يرحم الصغار* ويلطف بهم * وأن ذلك سبب لرحمة الله عزّ وجلّ* نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته ولطفه وإحسانه.
* * *
226- وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:" أتقبلون صبيانكم؟ فقال :" نعم" قالوا : لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟" متفق عليه [361].
227- وعن جرير بن عبد الله – رضي الله عنه – قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من لا يرحم لا يرحم الناس لا يرحمه الله " متفق عليه [362].
228- وعن أبي هُريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا صلى أحدكم للناس فليخفف * فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير* وإذا صلى أحدكم لنفسه * فليطول ما شاء " متفق عليه وفي رواية :" وذا الحاجة" [363].
الشرح
قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن عائشة- رضي الله عنهما – قالت: جاء قوم من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا: هل تقبلون صبيانكم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : "نعم" . الأعراب كما نعلم جميعاً جفاة* وعندهم غلظة وشدة ولا سيما رعاة الإبل منهم* فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل قلوبهم كالحجارة. نسأل الله العافية. قالوا : إنا لسنا نقبل صبياننا* فقال النبي عليه الصلاة والسلام:" أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة"؟ يعني لا أملك لكم شيئاً إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم.
وفي هذا دليلٌ على تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورقة لهم ورحمة بهم . وفيه دليلٌ على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة * وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرجمة فإنه يرحم غيره* وإذا رحم غيره رحمه الله عزّ وجلّ * كم في الحديث الثاني حديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من لا يرحم لا يرحمه الله " نسأل الله العافية.
الذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله عزّ وجلّ * والمراد بالناس : الناس الذين هم أهل للرحمة كالمؤمنين وأهل الذمة ومن شبابههم* وأما الكفار الحربيون فإنهم لا يُرحمون * بل يقتلون لأن الله تعالى قال في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح:29)* وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73).
ذكر الله تعالى هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)ذكرها الله في سورة اللتوبة وفي سورة التحريم * وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ )(التوبة: 120).
وكذلك أيضاً رحمة الدواب والبهائم فإنها من علامات رحمة الله عزّ وجلّ للإنسان؛ لأنه إذا رق قلب المرء رحم كل شيء ذي روح* وإذا رحم كل شيء ذي روح رحمه الله . قيل : يا رسول الله ؛ ألنا في البهائم أجر؟ قال:" نعم* في كل ذات كبد رطبة أجر" [364]
ومن الشفقة والرحمة بالمؤمنين أنه إذا كان الإنسان إماماً لهم * فإنه لا ينبغي له أن يطيل عليهم في الصلاة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :" إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف * فإن من ورائه السقيم والضعيف وذا الحاجة والكبير" يعني من ورائه أهل الأعذار الذين يحتاجون إلى التخفيف* والمراد بالتخفيف ما وافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم * هذا هو التخفيف وليس المراد بالتخفيف ما وافق أهواء الناس* حتى صار الإمام يركض في صلاته ولا يظمئن . قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ما صليت وراء إمام قطّ أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم * ومع ذلك فكأن يقرأ في فجر الجمعة" آلم تنزيل" السجدة كاملة في الركعة الأولى. و(هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ)(الانسان:1) كاملة في الركعة الثانية* وكان يقرأ بسورة الدخان في المغرب* ويقرأ فيها بالمرسلات * ويقرأ فيها بالطور* ربما قرأ فيها بالأعراف * ومع هذا فهي خفيفة* قال أنس رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم [365].
وليس هذا الحديث حجة للذين يريدون من الأئمة أن يخففوا تخفيفاً ينقص الأجر ويخالف السنة. ثم أعلم أنه قد يكون التخفيف عارضاً طارئاً * مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل * كان يدخل في الصلاة وهو يريد أن يطيل فيها* فيسمع بكاء الصبي فيوجز مخافة أن تفتتن أمه [366]. فإذا حصل طارئ يوجب أن يخفف الإنسان صلاته فليخفف* لكن على وجه لا يخف بالواجب.
فالتخفيف نوعان:
تخفيف دائم: وهو ما وافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم . وتخفيف طارئ يكون أخفّ* وهو ما دعت إليه الحاجة* وهو أيضاً من السنة* فإن النبي صلى الله عليه ولسم كان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة حتى لا تفتتن أمه* والمهم أنه ينبغي للإنسان مراعاة أحوال الناس ورحمتهم.
* * *
229- وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل . وهو يحب أن يعمل به * خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم" متفقٌ عليه [367]
230- وعنهما رضي الله عنها قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل ؟ قال : إني لست كهيئتكم * إني أبيتُ يُطعمُني ربي ويسقينى " متفق عليه [368].
معناهُ يجعلُ في قوة من أكل وشرب.
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى – فيما نقله عن عائشة – رضي الله عنها – في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم * قالت عائشة – رضي الله عنها -: " إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". قولها :" إن كان" " إن" هذه مخففة من الثقيلة * وأصلها " إنّ" * ويقول النحويون : إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن* وجملة ( كان ليدع) خيرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله * لئلا يعمل به الناس* فيفرض عليهم * فيشق عليهم.
ومن ذلك ما فعله في رمضان عليه الصلاة والسلام. صلى في رمضان ذات ليلة* فعلم به أُناسٌ من الصحابة* فاجتمعوا إليه وصلوا معه* وفي الليلة الثانية صلوا أكثر* وفي الثالثة أكثر وأكثر* ثم ترك الصلاة في المسجد* فقال عليه الصلاة والسلام:" أما بعد* فإنه لم يخف علىّ مكانكم" يعني ما جرى منهم من الاجتماع " ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها [369]" فترك هذا القيام جماعة خوفاً من أن يفرض على الأمة وهذا من شفقته صلى الله عليه وسلم * وكان يقول: لو لا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا* أو لآمرت بكذا وكذا* مثل قوله :" لولا أن أشق على أمتي لأمرته بالسواك عند كل صلاة [370].
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل * فقال : " إنه لوقتها" [371] يعني آخر الوقت. ثم قال :" لولا أن أشق على أمتي" فهو عليه الصلاة والسلام كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل ؛ خوفاً من أن يشق على الأمة.
ومن ذلك أيضاً ما روته عائشة رضي الله عنها – أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم* يعني نهى الصحابة عن الوصال. والوصال يعني أن يصل الإنسان يومين فأكثر في الصيام من غير فطر* يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر* فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك* ولكنهم رضي الله عنهم فهموا أنه نهاهم رحمة بهم لا كراهة للعمل* فواصلوا ثم واصلوا حتى هل شهر شوال* فقال صلى الله عليه وسلم :" لو تأخر الهلال لزدتكم" [372] يعني لأبقيتكم تواصلون * قال ذلك تنكيلاً لهم * حتى يعرفوا ألم الجوع والعطش * ويكفوا عن الوصال من أنفسهم.
الحاصل أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم . فقالوا : إنك تواصل ونحن نقتدي بك . فقال: " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقينى" يعني أنه عليه الصلاة والسلام ليس كالأمة* بل هو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه* ومعنى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام يتهجد بالليل * ويخلو بالله عزّ وجلّ بذكره * وقراءة كلامه* وغير ذلك مما يغنيه عن الأكل والشرب* لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نسي الأكل والشرب* خصوصاً إذا كان الشيء مما يحبه ويرضاه* ولهذا قال الشاعر في محبوبته:
لها أحــاديــث من ذكــراك تشعلهــا
عــن الشـراب وتلهيهــا عـن الــزاد
يعني أنها إذا قعدت تتحدث عن هذا الرجل تكثر من ذكره حتى يلهيها ذلك عن الطعام والشراب* وهو أمر واقع واضح . حتى إن الإنسان قد يكون في الأشغال يشتغل بها* فيلهو عن الأكل والشرب* مثل طالب العلم الذي يكون منهوماً بالعلم شغوفاً به* ربما يبقى ي مكتبته يطالع من الصباح إلى المساء * فينسى الأكل والشرب * ينسى الغداء والعشاء * وربما ينسي النوم* وكذلك طالب الدنيا منهوم لا يشبع* ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب.
ويذكر أن رجلاً غنياً كان يشتغل بحساباته وبكتاباته وماله وله زوجة* وكان له جار فقير متزوج* وكانوا يشعرون بأن هذا الجار الفقير يعاشر زوجته المعروف * فغارت زوجة الغني؛ لأن الغني غافل عنها * فقالت له: ألا تنظر إلى جارنا يعاشر زوجته بالمعروف* ويستأنس مع أهله* ففطن الرجل الغني لهذا * فدعا الرجل الفقير وقال له : إنك رجلٌ فقيرٌ تحتاج على المال* وأنا سأعطيك مالاً تتجر به* فأعطاه المال يتجر به* فانشغل به الفقير عن اهله* وصال لا يعاشرهم ولا يؤنسهم * فصار مثل التاجر.
فالإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه أنساه كلّ شيء * ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :" إني ابيت عند ربي يطعمني ويسقين" فلست كهيئتكم* وما زعمه بعض أهل العلم من أن المراد بالإطعام والإسقاء* الإطعام من الجنة والإسقاء من الجنة فليس بصحيح ؛ لأنه لو طعم طعاماً حسياً وشرب شراباً حسياً* لم يكن واصلاً* وإنما المراد بالطعام والسقي ما يشتغل به صلى الله عليه وسلم من ذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه.
والحاصل : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل وينهى أمته على الوصال رحمة بهم* فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* * *
231- وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي – رضي الله عنه قال- قال : رسول الله صلى الله عليه وسل :" إني لأقوم إلى الصلاة* وأريدُ أن أُطول فيها فأسمع بُكاء الصبي * فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" رواه البخاري [373].
232- وعن جُندب بن عبد الله – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله * فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء* فإنه من يطلبه من ذكته بشيء يُدركهُ* ثم يكفه على وجهه في نار جهنم " رواه مسلم [374].
الشرح
ذكر المؤلف – رحمه الله تعالى – في باب الرفق بالمسلمين فيما نقله عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري- رضي الله عنه – عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال :" إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه" هذا الحديث من النماذج التي تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته* كما وصفه الله تعالى به في قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)
* فهو يدخل في صلاة الجماعة يريد أن يطيل فيها * والمراد الإطالة النسبية* ليست الإطالة الزائدة عما كان يفعله من قبل* فإذا سمع بكاء الصبي أوجز وخفف مخافة أن يشق على أمه؛ لأن أمه إذا سمعت بكاءه فإنه يشق عليها أن تسمع بكاء ابنها* وربما يشغلها كثيراً عن الصلاة * فيخفف عليها الصلاة والسلام لأجل ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد منها:
أولاً: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليها.
ثانياً: جواز حضور النساء إلى المساجد ليصلين مع الجماعة* وهذا ما لم تخرج المرأة على وجه لا يجوز* مثل أن تخرج متعطرة أو متبرجه* فإن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مقال:" إيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء" [375].
ثالثاً: جواز إدخال الصبيان المسجد * هذا إذا كان صبيها معها* وإن كان خارج المسجد قريباً منه فليس فيه دلالة* لكنه يصعب أن تسمع المرآة بكاء صبيها في البيت وهي في المسجد* فالظاهر أن صبيانهن كانوا معهن فيكون فيه دليلٌ على جواز إدخال الصبيان المساجد* لكن بشرط أن لا يحصل منهم أذية لا على المسجد ولا على المصلين * فإن كان يخشى منهم أذية على المسجد كتلويثه بالبول والنجاسة؛ فإنهم يمنعون * وكذلك إذا كان يخشى منهم التشويش على الناس بالصراخ والركض والجلبة* فإنهم يمنعون أيضاً . أما إذا لم يكن منهم بأس ؛ فإنه لا بأس أن يؤتى بهم إلى المساجد.
وأما حديث " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" فهو ضعيف [376].
رابعاً: أنه يجوز للمصلى أن يسمع ما حوله ولا يلزمه أن يسدّ أذنيه* بل له أن يسمع* لكن إن كان ما حوله يشوش عليه إذا سمعه فلا يصلينَّ حوله وإنما يبعد * كما لو أراد الإنسان أن يصلى في المسجد وحوله حلقة ذكر أو حلقة قرآن* ويخشي أن يشوشوا عليه إذا دنا منهم* فليبعد* وأما إذ لم يشوشوا فلا بأس أن يسمع بخلاف الاستماع فإن المصلي لا يستمع إلا إلى قراءة إمامه.
وعلى هذا إذا كنت تصلي وجاء القارئ يقرأ حديثاً أو موعظة* فلا تشد سمعك إليه* لا تستمع؛ لأن هذا غير مشروع* ولا تجعل تركيزك معه* أما إذا سمعته ولكنك ماضٍ في صلاتك لم تهتم به ولم تلتفت إليه فلا بأس.
خامساً: ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للمصلي أن يغير نيته من تطويل إلى تخفيف أو بالعكس* إذا وُجد سبب لذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة يريد أن يطيلها فيخفف.
فإذا دخل الإنسان في صلاته وهو يريد أن يطيل * ثم جاءه شخص وقال له: عند الباب ضيوف أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس أن يخفف ليذهب إلى ضيوفه كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل هذا.
سادساً: ومن فوائد هذا الحديث:
أنه لا حرج على الإنسان إذا شق عليه بكاء ابنه أو ما يؤذي ابنه من ألمٍ أو شبهه؛ لأن هذا من الأمور الفطرية الطبيعية* فإن كل إنسان يشق عليه أن يسمع بكاء أبنه؛ بل إن من الناس من يشق عليه أن يسمع بكاء الصبي مطلقاً حتى ولو لم يكن أبناء له رحمة بالصبيان* ولا شك أن الرحمة بالصبيان ومراعاتهم واتقاء ما يؤذيهم من أسباب الرحمة * كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من قبل :" من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " و " الراحمون يرحمه الرحمن" و " إنما يرحم الله من عباده الرحماء" وأشباه هذه الأحاديث * فكون الإنسان يشق عليه بكاء الصبيان رحمة لهم* لا شك أن هذا من الخلق المحمود؛ لأنه رحمة بهؤلاء الصغار الذين هم أهل للرحمة * الله الموفق.
ثم ذكر المؤلف – رحمه الله – حديث جندب بن عبد الله – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من صلى الفجر فهو في ذمة الله " الفجر هي الصلاة الأولى عند بعض العلماء . وعند بعض العلماء أن الصلاة الأولى هي صلاة الظهر* لكن الأصح أن الصلاة الأولي هي صلاة الفجر* والثانية: الظهر* والثالثة: العصر* وهي الوسطى* والرابعة : المغرب* والخامسة: العشاء..
وصلاة الفجر تأتي وكثيرٌ من الناس نيام* ولهذا يتكاسل عنها المنافقون * كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أثقل الصلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر* ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا" [377]
وهي وصلاة العصر أفضل الصلوات الخمس ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسمل :" من صلى البردين دخل الجنة" [378].
و البردان هما : الفجر والعصر؛ لأن الفجر براد الليل* والعصر براد النهار* وقوله:" من صلى الفجر" ظاهره من صلى في جماعة أو غير جماعة.
وقوله:" فهو في ذمة الله " أي في عهده* يعني أنه دخل في عهد الله فكأنه معاهد لله عزّ وجلّ أن لا يصيبه أحد بسوء* ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :" فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء" يعني لا يترك عهد على من صلى الفجر؛ لأنه في ذمة الله وفي عهده* فإياكم أن يطلبكم الله تعالى من ذمته بشيء* " فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه* ثم يكبه على وجهه في النار".
ففي هذا دليلٌ على أنه يجب احترام المسلمين الذين صدقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن* فالمنافقون لا يشهدون الجماعة* ولا يصلون الفجر أبداً ؛ لأنهم إنما يصلون مراءاة للناس* فإذا لم يكن الناس ينتبهون لهم* فإنهم لا يصلون.
والفجر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليست كالفجر في يومنا هذا* بل كان الليل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً حالكاً لا يُرى الناس فيه * فيأتي الإنسان ويذهب وهو لا يُعرف * لكن ليلنا الآن – ولله الحمد – كنهارنا بما أنعم الله علينا به من هذه الإضاءة بالكهرباء* لكنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لظلمتها ومشقتها ؛ كان المنافقون لا يصلون الفجر والعشاء جماعة. والحاصل أن هذا الحديث يدل على وجوب احترام المسلمين الذين برهنوا على إسلامهم بصلاة الفجر* وإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم.
233- وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المسلم أخو المسلم* لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه: كان الله في حاجته* ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة؛ من كرب يوم القيامة* من ستر مسلماً؛ ستره الله يوم القيامة" متفق عليه [379].
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى – فيما نقله عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسمل قال:" المسلم أخو المسلم" يعني في الدين* كما قال الله تبارك وتعالى: ( فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً )(آل عمران:م103) وقال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)(الأحزاب:5)وهذه الأخوة هي أوثق الأخوات * أوثق من أخوة النسب* فإن أخوة النسب قد يتخلف مقتضاها* فيكون أخوك من النسب عدواً لك كارهاً لك * وذلك يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67).
أما أخوة الدين فإنها أخوة ثابتة راسخة في الدنيا وفي الآخرة * تنفع الإنسان في حياته وبعد مماته* لكن هذه الأخوة لا يترتب عليها ما يترتب على أخوة النسب من التوارث ووجوب النفقة وما أشبه ذلك.
ثم قال : " لا يظلمه ولا يسلمه" لا يظلمه لا في ماله * ولا في بدنه* ولا في عرضه* ولا في أهله* يعني لا يظلمه بأي نوع من الظلم " ولا يسلمه يعني لا يسلمه لمن يظلمه * فهو يدافع عنه ويحميه من شره* فهو جامع بين أمرين:
الأمر الأول: أنه لا يظلمه.
والأمر الثاني: أنه لا يسلمه لمن يظلمه بل يدافع عنه.
ولهذا قال العلماء – رحمهم الله -: يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه فعرضه وبدنه وماله. في عرضه: يعني إذا سمع أحداً يسبه ويغتابه * يحب عليه أن يدافع عنه. وكذلك أيضاً في بدنه : إذا أراد أحد أن يعتدي على أخيك المسلم وأنت قادر على دفعه* وجب عليك أن تدافع عنه* وكذلك في ماله: لو أراد أحد أن يأخذ ماله* فإنه يجب عليك أن تدافع عنه.
ثم قال عليه الصلاة والسلام:" والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه" يعني أنك إذا كنت في حاجة أخيك تقضيها وتساعده عليها؛ فإن الله تعالى يساعدك في حاجتك ويعينك عليها جزاءً وفاقاً.
ويُفهم من ذلك أن الإنسان إذا ظلم أخاه؛ فإن أخوته ناقصة* وإذا أسلمه إلى من يظلمه؛ فإن أخوته ناقصة* وإذا أسلمه إلي من يظلمه* فإن أخوفه ناقصة* وإذا لم يكن في حاجته* فإن هذا يفوته الخير العظيم* وهو كون الله تعالى في حاجته.
ثم قال:" ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" الكرب ما يضيق على الإنسان ويشق عليه * ويجد له في نفسه هماً وعماً* فإذا فرجت عن أخيك هذه الكربة؛ فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة.
وتفريج الكربات يكون في أمور متعددة: إن كانت كربة مالية؛ فبإعطائه المال الذي تزول به الكربة* وإن كانت كربة معنوية؛ فبالحرص على رد معنويته ورد اعتباره حتى تزول عنه الكربة* وإذا كامن كربة هم وغم؛ فبأن توسع عليه وتنفس له * وتبين له أن الأمور لا تدوم* وأن دوام الحال من المحال* وتبين له ما في هذا من الأجر والثواب العظيم* حتى تهون عليه الكربة.
" ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة" من ستر يعني : غطى عيبه ولم يبينه* فإن الله يستره في الدنيا والآخرة* وهذا ليس على إطلاقه فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق* فالستر قد يكون مأموراً به محموداً* وقد يكون حراماً * فإذا رأينا شخصاً على معصية *وهو رجلٌ شرير منهمك في المعاصي* لا يزيده الستر إلا طغياناً؛ فإننا لا نستره* بل نبلغ عنه حتى يُردع ردعاً يحصل به المقصود. أما إذا لم تبدر مه بوادر سيئة* ولكن حصلت منه هفوة * فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد* لا للجهات المسؤولة ولا لغيرها* فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة.
ومن ذلك أيضاً أن تستر عنه العيب الخلقي* إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك* وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس فإنك تستره* إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة. وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق وواسع الصدر * وأنت تعرف عنه خلاف ذلك* فاستره . فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة فالستر كما قلت بالنسبة للأعمال السيئة التي يقوم بها الإنسان ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون من شخص منهمك في المعاصي مستهتر* فهذا لا نستر عليه.
وقسم آخر حصل منه هفوة* فهذا هو الذي نستر عليه. أما الأمور الأخرى فالستر فيها أكمل وأفضل * الله المستعان.
* * *
234- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسمل :" المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذلهُ. كل المسلم على المسلم حرامٌ: عرضه وماله ودمهُ* التقوى هاهنا* بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه الترمذي وقال : حديث حسن [380]
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" المسلم أخو المسلم" وقد تقدم الكلام على هذه الجملة. وأن هذه الأخوة أخوة الإيمان* وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب * وبينا وجه ذلك فيما سبق.
وبين هنا في هذا الحديث أنه " لا يظلمه ولا يخونه ولا يكذبه" لا يخونه يعني لا يغدر به في محل الائتمان* إذا ائتمنه على شيء* أو على مال * أو على سر* أو على غير ذلك فإنه لا يخونه* والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان* ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه.
يعني وإن خانك أخوك المسلم فلا تخنه * لقول النبي صلى الله عليه وسمل : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك* ولا تخن من خانك" [381] فلو فرضنا أن شخصاً خانك في مال؛ بان أقرضته مالاً أي سلفته* ثم أنكر بعد ذلك وقال: لم تقرضني شيئاً ؛ فإنه لا يحل لكل أن تخونه فتقترض منه ثم تنكره* بل أد إليه أمانته وأسال الله الحق الذي لك؛ لقول عليه الصلاة والسلام :" لا تخن من خانك".
كذلك أيضاً " لا يكذبه" أي لا يحدثه بكذب* والكذب حرام* وكلما كان آثاره أسوأ كان أشد إثماً. وليس في الكذب شيء حلالاً * وأما من ادعاه بعض العامة حيث يقولون: إن الكذب نوعان: أسود وأبيض* فالحرم هو الأسود* و الحلال هو الأبيض* فجوابه : أن الكذب كله أسود * ليس فيه شيء أبيض* لكن يتضاعف إثمه بحس ما يترتب عليه * فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم * أو غررٌ على مسلم* صار اشد إثماً* وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار*فإنه أخف ولكنه حرام.
لكن ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين الناس وفي الحرب* وفي حديث الرجل امرأته .وحديثها إياه" [382]
ولكن كثيراً من العلماء قال : إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح* وإنما هو التورية* والتورية تسمى كذباً * كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين يأتي الناس له يوم القيامة ليشفع لهم : إنه كذب ثلاث كذبات [383]* وهو لم يكذب ولكنه ورى تورية* يعني أظهر للمخاطب شيئاً غير الذي يريده نهو * فبعض العملاء يقول : إن هذا الحديث الذي فيه أن الكذب يجوز في هذه الأشياء الثلاثة* يراد به كذب التورية لا الكذب الصريح* وعلى هذا فلا يستثنى من الكذب شيء* وكل الكذب حرام * ثم أعلم الكذب يحار فيه الإنسان ويعجز عنه معالجته كما قيل:
لـي حيلــة في مـن ينـمُّ وليس في الكــذاب حيـلة
من كــان يخلق مــا يقولُ فحيلــتي فـيـه قليلــه
الذي ينمُّ والذي يلقي النميمة بين الناس * لي فيه حيلة أي يمكن أن احتال و اتخلص منه ومن شره* لكن الذي يكذب يقول فعلت وفعلت وهو كاذب. ليس في فيه حيلة إذا كان يخلق ما يقول وما شاء قاله* فهذا مشكل ليس لي فيه حيلة* ولهذا قال هنا :" ولا يكذبه".
وفي لفظ " ولا يحقره" يعني لا يحتقره ولا يستصغره* حتى وإن كان اكبر منه سناً* وإن كان أكثر منه مالاً* وإن كان أغزر منه عالماً فلا يحقره.
واحتقار الناس من الكبر- والعياذ بالله – قال النبي صلى الله عليه وسلم :" الكبر بطر الحق* وغمط الناس" [384]بطر الحق يعني ردّه* وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فالمسلم يرى أخاه بعين الإكبار ويحترمه ويعظمه * والعامة يقولون: احترام الناس يحترمونك* يعني من راي الناي يعني الاحتقار وأوه بعين الاحتقار ظن ومن رآهم بين الإكثار والإجلال* راوه بعين والإجلال* وهذا شيء مشاهد.
ولهذا تجد الرجل المتواضع اللين الهين محترماً عند الناس كلهم* لا أحد يكرهه* ولا أحد يسبه والإنسان الشامخ بأنفه المستكبر المحتقر لغيره* تجده مكروهاً مذموماً عند الناس* ولولا حاجة الناس إليه إذا كانو يحتاجون غليه ما كلمه أحد ؛ لأنهم يحتقرونه.
ثم قال عليه الصلاة والسلام :" التقوى ها هنا" أشار إلى صدره ثلاث مرات* يعني أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب؛ أتقت الجوارح* وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : " ألا وإن ف الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله* إلا وهي القلب" [385] فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله عزّ وجلّ وخوفٌ منه وخشيه له* استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب.
وقد مثل بعض العلماء ومنهم أبو هريرة رضي الله عن بالقلب بالملك المطاع مع جنوده* فالملك المطاع مع جنوده إذا أمرهم بشيء أطاعوه* ولكن بعض العلماء قال : إن هذا المثال أنقص من قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا صلحت صلح الجسد كله" وذلك لأن الملك مع جنوده وإن كان مطاعاً فإنهم لا يصلحون بصلاحه* لكن القلب إذا صلح صلح الجسد * وإذا اتقي اتقى الجسد .
واعلم أن من الناس من يجادل بالباطل بهذا الحديث *فإذا أمرته بمعروف * أو نهيته عن منكر * قال * التقوى هاهنا تقول له: لا تحلق لحيتك فحلق اللحية حرام * وحلق اللحية من طريقة المجوس والمشركين* وإعفاء اللحية من هدي النبيين والمرسلين وأولياء الله الصالحين. إذا قلت له هذا قال : التقوى هاهنا . التقوى ها هنا . نقول له : كذبت وإنه ليس في قلبك تقوى* لو كان في قلبك تقوى لاتقيت الله ؛ لأن القلب إذا اتقى اتقت الجوارح* وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح.
وفي قوله : "التقوى ها هنا " وإشارته على صدره دليلٌ على أن العقل في القلب الذي في الصدر* وهذا هو المطابق للقرآن تماماً * قال الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46) * فقال: (قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) * ثم قال (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
وليس القلب هو الخ كما يظنه بعض الجهال* فالعقل في القلب. ولكن المخ لا شك أن له اثراً في أعمال العبد* في حركاته* وفي سكناته* لكنهم قالوا: إن المخ مثل الخادم * يهيئ الأشياء ويطبخها * ثم يبعث بها إلي القلب * ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من اجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم* فيكون هذا المخ خادماً للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتيه إلى المخ* والمخ هو الذي يحرك البدن* ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء.
ثم قال صلى الله عليه وسلم " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" يعني لو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله* لكان كافياً في الإثم والعياذ بالله * في هذا التحليل أعظم زاجر من احتقار أخيك المسلم* وأن الواجب عليك أن تحترمه وتعظم بما فيه من الإسلام والإيمان.
ثم قال صلى الله عليه وسلم :" كل المسلم على المسلم حرام * دمه وماله وعرضه": " كل المسلم على المسلم حرام * دمه "فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك " وماله" فلا يؤخذ ماله * ولا غصباً * ولا سرقة* ولا خيانة* ولا دعوى ما ليس له * ولا غير ذلك بأي طريق* فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك.
" وعرضه" بأن لا تنتهك عرضه * وتتكلم فيه بين الناس* سواء كنت صادقاً فيما تقول أو كاذباً ؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الغيبة فقال : " ذكرك أخاك بما يكره" قالوا : يا رسول الله * أريت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته* وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (1)فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال صلى الله عليه وسلم " :" كل المسلم على المسلم حرام * دمه وماله وعرضه".
* * *
235- وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحاسدوا *ولا تجاسسوا* ولا تباغضوا* ولا تدابروا * ولا يبع بعضكم على بيع بعض* وكونوا عباد الله إخوانا * المسلم أخو المسلم :لا يظلمه ولا يحقره* ولا يخذلهُ * التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم * كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم [386].
" النجش " أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه * ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرامٌ" والتدابر " أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
الشرح
قال المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أبي هريرة- رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحاسدوا " أي لا يحسد بعضكم بعضاً . والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا الحسد* ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال * أو البنين * أو بالزوجة* أو بالعلم أو بالعبادة * أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أن لم تتمن.
وإن كان بعض العلماء يقول : إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره* ولكن هذا أخبث وأشده* وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على الشخص فهو حسد *والحسد* من خصال اليهود* فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله * قال الله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) (البقرة:109) وقال تعالى فيهم : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54)* ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله على غير ليعود هذا الشيء إليك* أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك.
وأعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة:
منها : أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله * الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ومنها: أن فيه دليلاً على خبث نفس الحاسد * وأنه لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لم يحسد الناس على شيء؛ بل يفرح إذا أنعم الله عليه غيره بنعمة ويقول : اللهم آتني مثلها * كما قال الله تعالى : (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء:32).
ومنها : أن فيه إعتراضاً على قدر الله عزّ وجلّ وقضائه* وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل ؟ الله عزّ وجلّ* فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره * ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه – نسأل الله العافية-؛ لأنه يريد أن يزاحم ربّ الأرباب جلّ وعلا في تدبيره وتقديره.
ومن مفاسد الحسد: أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة ؛ التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائماً في حسده وفي غم* لأن نعم الله على العباد لا تحصى * وهو رجلٌ خبيث كلما أنعم اله على عبده نعمة على ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه.
ومن مفاسد الحسد: انه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال صلى الله عليه وسلم :" إياكم والحسد* فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" [387]
ومن مفاسده: أنه يعرقل الإنسان على السعي في الأشياء النافعة؛ لأنه دائماً يفكر ويكون في غم؛ كيف جاء هذا الرجل مالٌ؟ كيف جاءهم علم؟ كيف جاءه ولد؟ كيف جاءه زوجة ما أشبه ذلك * فتجده دائماً منحسراً منطوياً على نفسه* ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها * نسأل الله العافية.
ومن مفاسد الحسد: أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة * لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها.
ومن مفاسد الحسد أيضاً : أنه لا يمكن أن يغير شيء مما قضاه الله عزّ وجلّ ابدأً * مهما عملت * ومهما كرهت. ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم * فإنك لا تستطيع شيئاً.
ومن مفاسده: أنه ربما يتدرج بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة الذي يحسد الناس * لأن العائن نفسه شريرة حاسدة حاقدة* فإذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين* فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد *فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأينهم * ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضرّ العباد. إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم * ولهذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف* يعني إذا عان أحداً وأتلف شيئاً من ماله أو أولاده أو غيرهم * فإنه يضمن* كما أنهم قالوا: إن من اشتهر بذلك* فإنه يجب أن يُحبس إلا أن يتوب * يحبس أتقاء شره* لأنه يؤذى الناس ويضرهم فيحبس كفاً لشره.
ومن مفاسد الحسد: انه يؤدي إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض* والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه* تجده محبوباً من الناس* الكل يحبه* ولهذا دائماً نقول: والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد* وفلان رجلٌ خبيثٌ حسود وحقود وما أشبه ذلك.
فهذه عشر مفاسد كلها في الحسد * وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسل حيث قال:" لا تحاسدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضاً* فإن قال قائل : ربما يجد الإنسان في نفسه إنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير * فهل هذا من الحسد؟ فالجواب : أن ذلك ليس من الحسد؛ بل هذا من التنافس في الخيرات* قال الله تعالى : (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (الصافات:61) فإذا أحب الإنسان أن يتقدم على غيره في الخير * فها ليس من الحسد في شيء الحسد أن يكره الخير لغيره.
واعلم أن للحسد علامات: منها أن الحاسد يحب دائماً أن يخفي فضائل غيره* فإذا كان إنسان ذا مال * ينفق ماله في الخير من صدقات وبناء مساجد* وإصلاح طرق* وشراء كتب يوقفها على طلبة العلم وغير ذلك فتجد هذا الرجل الحسود إذا تحدث الناس على هذا المحسن يسكت وكأنه لم يسمع شيئاً* هذا لا شك إن عنده حسداً؛ لأن الذي يحب الخير يحب نشر الخير للغير* فإذا رأيت الرجل إذا تكلم عن أهل الخير بإنصاف وأثنى عليهم وقال: هذا فيه خيرٌ وهذا محسن* هذا كريم* فهذا يدل على طيب قلبه وسلامته من الحسد. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الحسد * ومن منكرات الأخلاق والأعمال.
أما قوله: " ولا تناجشوا" فالنجش هو أن يزيد في السلعة على أخيه وهو لا يريد شراءها *وإنما يريد أن يضرّ المشتري* أو ينفع البائع * أو الأمرين جميعأً.
مثال ذلك : عرضت سلعة في السوق فصار الناس يتزايدون فيها* فقام رجل فجعل يزيد فيها وهو لا يريد الشراء* تسام بمائة فقال بمائة وعشرة وهو لا يريد أن يشترى* ولكنه يريد أن يزيد الثمن على المشترى* أو يريد أن ينفع البائع فيزيد الثمن له أو الأمرين جميعاً * فهذا حرامٌ ولا يجوز لما فيه من العدوان . أما إذا زاد الإنسان في الثمن عن رغبة في السلعة * ولكن لما ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به * فإن كثيراً من الناس يزيد في السلعة؛ لأنه يرى أنها رخيصة * فإذا زادت قيمتها تركها * فهذا ليس عليه بأس . كما أن من الناس من يزيد في السلعة يريدها ويزيد في ثمنها حتى تخرج عن قيمتها كثيراً.
فالناس على زيادتهم في السلعة على ثلاث أقسام:
القسم الأول: نجش وهو حرام.
الثاني: يزيد فيها لأنه يرى أنها رخيصة* وأنها ستكسبه * وليس له قصد في عين السلعة ولا يريدها بعينها* لكن لما رأي أنها رخيصة وأنها ستكسبه جعل يزيد * فلما ارتفعت قيمتها تركها * فهذا لا بأس به.
الثالث: أن يكون له غرض في السلعة* يريد أن يشتري هذه السلعة * فيزيد حتى يطيب خاطره ويظفر بها* فهذا أيضاً لا بأس به.
وقوله صلى الله عليه وسلم :" ولا تباغضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضاً* وهذا بالنسبة للمؤمنين بعضهم مع بعض* فلا يجوز للإنسان أن يُبغض أخاه أي : يكرهه في قلبه ؛ أنه أخوه * ولكن لو كان هذا الأخ من العصاة الفسقة* فإنه يجوز لك أن تبغضه من أجل فسقه* ولا تبغضه بغضاً مطلقاً * لكن أبغضه على ما فيه من المعصية * وأحبه على ما فيه من الإيمان.
ومن المعلوم أننا لو وجدنا رجلاً مسلماً يشرب الخمر* ويشرب الدخان* ويجر ثوبه خيلاء * فإننا لا نبغضه كما نبغض الكافر* فمن أبغضه كما يبغض الكافر انقلب على وجهه * كيف تسوي بين مؤمن عاصٍ فاسق * وبين الكافر ؟ هذا خطأ عظيم . ربما بعض الناس يكره المؤمن الذي عنده هذا الفسق أكثر مما يكره الكافر * وهذا – والعياذ بالله – من انقلاب الفطرة فالمؤمن مهما كان خيرٌ من الكافر .
فأنت أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما معه من الإيمان فإن قلت : كيف يجتمع حب وكراهية في شيء واحد؟
فالجواب: أنه يمكن أن وكراهة في شي واحد* أرايت لو أن الطبيب وصف لك دواءاً مراً منتن الرائحة ولكنه قال : أشربه وسوف تشفى بإذن الله * فإنك لا تحب هذا الدواء على سبيل الإطلاق؛ لأنه مر وخبيث الرائحة* ولكنك تحبه من جهة أنه سبب للشفاء * وتكرهه لما فيه من الرائحة الخبيثة والطعم المر.
هكذا المؤمن العاصي* لا تكرهه مطلقاً * بل تحبه على ما معه من الإيمان * وتكرهه على ما معه من المعاصي* ثم إن كراهتك إياه لا توجب أن تعرض عن نصيحته * بأن تقول : أنا لا أتحمل أن أواجه هذا الرجل لأني اكره منظره* بل أجبر نفسك واتصل به وانصحهُ* ولعل الله أن ينفعه على يديك ولا تيأس * كم من إنسان استبعدت هدايته فهداه الله عزّ وجلّ بمنه وكرمه.
والأمثلة على هذا كثيرة في قوتنا الحاضر وفيما سبق ؛ في وقتنا الحاضر يوجد أُناسٌ فسقة يسر الله لهم من يدعوهم إلى الحق فاهتدوا * وصاروا أحسن من الذي دعاهم* وفيما سبق من الزمان أمثلة كثيرة* فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان سيفاً مسلولاً على المسلمين * ومواقفه في أُحد مشهورة حيث كرّ هو وفرسان من قريش على المسلمين من عند الجبل* وحصل ما حصل من الهزيمة* ثم هداه الله تعالى . وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من أكره الناس لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهداه الله وكان من أولياء الله * فكان الثاني في هذه الأمة .
لذلك فلا تيأس * ولا تقل إنني لا أطيق هذا الرجل لا منفطراً لا مسمعاً * ولا يمكن أن أذهب إليه * بل اذهب ولا تيأس* فالقلوب بيد الله عزّ وجلّ* نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.
فإن قال قائل: البغضاء هي انفعال في النفس * والأشياء الانفعالية قد لا يطيقها الإنسان كالحب مثلاً* فالحب لا يملك الإنسان أن يحب شخصاً؛ أو يقلل من محبته* أو أن يزيد في محبته إلا بأسباب * ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم بين زوجاته:" اللهم هذا قسمي فيما أملك* فلا تلومني فيما لا أملك [388]" يعني في المحبة* ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجب عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها من زوجاته * لكن هذا بغير اختيار.
فإذا قال قائل : الغضب انفعال لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه * فالجواب: الانفعال يحصل بفعل* فأنت مثلاً لا تحب شخصاً إلا لأسباب : إيمانه * نفعه للخلق* حسن خلقه* خدمته لك* أو غيرها من الأشياء الكثيرة* تذكر هذه الأسباب فتحبه* ولا تكره شخصاً إلا لسبب* تذكر الأسباب التي توجب الكراهة فتكرهه * لكن مع ذلك ينبغي للإنسان أن يعرض عن الأسباب التي توجب البغضاء مع أخيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تباغضوا"
لكنى أقول : إن البغضاء لها أسباب * والمحبة لها أسباب *فإذا عرضت عن أسباب البغضاء وتناسيتها وغفلت عنها زالت بإذن الله * وهذا هو الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام بقوله " لا تباغضوا" وهو نظير قوله للرجل الذي قال : يا رسول الله أوصني* قال " لا تغضب" قال : أوصني * قال " لا تغضب" قال:" اوصني" قال :" لا تغضب" ردد مراراً قال :" لا تغضب" [389].
قد يقول الإنسان عن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم * كما جاء في الحديث [390]* فلا سبيل اله إلى إخماده* ونقول : بل له سبيل * افعل الأسباب التي تخفف الغضب حتى يزول عنك الغضب.
قال : " ولا تدابروا " فهل المراد ألا يولي بعضكم دبر بعض من التدابر الحسي؟ بمعني مثلاً أن تجلس وتذر الناس وراءك في المجالس. نعم هذا من المدابرة* ومن المدابرة أيضاً المقاطعة في الكلام حين يتكلم أخوك معك وأنت قد صددت عنه * أو إذا تكلم وليت وتركته * فهذا من التدابر وهذا التدابر حسي.
وهناك تدابر معنوي * هو اختلاف الرأي * بحيث يكون كل واحد منا له رأى مخالف للآخر * وهذا التدابر في الرأي أيضاً نهي عنه الرسول علي الصلاة والسلام.
وعندي أن من التدابر ما يفعله بعض الأخوة إذا سلم من الصلاة تقدم على الصف مقدار شبر أو نحوه * فهذا فيه نوع من التدابر * ولهذا شكا إلى بعض الناس هذه الحال* قال بعض الناس إذ سلمنا تقدم قليلاً ثم يحول بيني وبين الإمام* لا سيما إذا كان هناك درس فإنه يحول بينى وبين مشاهدة الإمام * ومعلوم أن الإنسان إذا كان يرى المدرس كان أنبه له وأقرب للفهم والإدراك* فبعض الناس يكره هذا الشيء * لذا أيضاً ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرة وفطنة فلا تتقدم على إخوانك وتجعلهم وراءك* إذا كان بودك أن تتوسع فقم وتقدم بعيداً واجلس إذا كنت في الصف الأول* وإن كنت في الصف الثاني تأخر * أما أن تتقدم على الناس وهم وراء ظهرك* فهذا فيه نوع من سوء الأدب .وفيه نوع من التدابر.
فينبغي في هذه المسألة وفي غيرها أن يتفطن الإنسان لغيره* وأن لا يكون أنانياً يفعل فقط ما طرأ على باله فعله* دون مراعاة للناس * ودون حذر من فعل ما يُنتقد عليه.
أما الجملة الخامسة فهي قوله :" ولا يبيع بعضكم على بيع بعض " لا بيع بعضكم على بيع بعض ؛ لأن هذا يؤدي إلى الكراهية والعداوة والبغضاء. ومثال بيع الإنسان على بيع أخيه: أن يذهب لمن اشترى سلعة من شخص بمائة فيقول : أنا أعطيك مثلها بثمانين * أو أعطيك أحسن منها بمائة فيرجع المشتري ويفسخ العقد الأول ويعقد مع الثاني* ففي هذا عدوان ظاهر على حق البائع الأول* وهذا العدوان يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين.
مثال ذلك الشراء على شرائه * مثل أن يذهب إلي شخص باع سلعة بمائة فيقول له أنا أشتريها منك بمائة وعشرين* فيذهب البائع ويفسخ العقد ويبيع على الثاني* فهذا أيضاً حرامٌ * لأنه بمعنى البيع على البيع .
ولكن هل هذا خاص في زمن الخيار أو عام؟
الحديث عام انه لا يحل لك أن تبيع على بيع أخيك سواء في زمن الخيار أولا * و قال بعض العلماء : إنه محمول على ما إذا كان ذلك في زمن الخيار؛ لأنه إذا أنتهي وهن الخيار فإنه لا يستطيع أو يفسد العقل ومثال ذلك: رجل باع عل شخص سيارة بعشرة آلاف ريال* وجعل له الخيار ثلاثة أيام * فذهب شخص إلى المشترى وقال : أنا أعطيك أحسن منها بعشرة آلاف ريال* فأغري المشترى أن يذهب للبائع ويقول : فسخت العقد* أو يذهب شخص إلي البائع ويقول: سمعت أنك بعت سيارتك على فلان بعشرة الآف ريال* أنا أعطيك أحد عشر ألفاً * فيفسخ البيع ويرد ويبيعها على الثاني.
أما إذا كان بعد انتهاء المدة فقال بعض العلماء : إنه لا بأس * يعني بعد أن باعه وجعل له الخيار ثلاثة أيام وانتهت الأيام الثلاثة* فلا بأس أن يذهب إلى الشخص الذي أشتراها ويقول : أنا أعطيك مثلها بأقل * أو أحسن منها بالثمن الذي اشتريت به* وعللوا ذلك بأنه لا يمكنه حينئذ ان يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار.
ولكن ظاهر الحديث العموم* لأنه وإن كان لا يمكنه أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار فإنه قد يحاول أن يوجد مفسدا للعقد * أو على الأقل يندم على شرائه* ويعتقد أن البائع غبنه وانه لعب عليه * فيحدث له بذلك العداوة والبغضاء وهذا مع قرب المدة* أما إذا طالت المدة فلا بأس بها ؛ لأنه إذا طالت المدة فإنه من المعتذر أو المتعسر كثيراً أن يفسخ العقد.
والحاصل أن لدينا ثلاث حالات:
الحال الأول: أن يكون البيع أو الشراء على أخيه في زمن الخيار فلا شك في أنه حرام.
والحال الثانية: أن يكون بعد انتهاء زمن الخيار بمدة قريبة * ففيه خلاف بين العلماء* والصحيح أنه حرام.
والحال الثالثة: أن يكون بعد زمن بعيد * كشهر أو شهرين أو أكثر فهذا لا بأس به * ولا حرج فيه ؛ لأن الناس يتبادلون السلع فيما بينهم على هذا الوجه * وعلى وجوه أخرى.
ومثل ذلك : الإجارة على إجارته مثل أن يذهب شخص إلى آخر استأجر بيتاً من إنسان السنة بألف ريال* قال له أنا عندي لك أحسن منه بثمانمائة ريال * فهذا حرام لأنه عدوان كالبيع على بيعه.
ومثل ذلك أيضاً : السوم على سومه* وقد جاء صريحاً فيما رواه مسلم [391] * ويسوم على سومه يعني إذا سام شخص سلعة من آخر * وركن إليه صاحب السلعة* لم يبق إلا العقد * مثل أن يقول : بعها على بألف فيركن إليه البائع* ولكن لم يتم العقد* بل يجزم أن يبيع عليه* فيأتي إنسان آخر ويقول :" أنا أعطيك بها ألفاً ومائه* فإن هذا لا يجوز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يسم على سوم أخيه".
ومثل ذلك أيضا في النكاح * إذا خطب شخص من آخر فلا يحل لأحد أن يخطب على خطبته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ولا يخطب على خطبة أخيه" وكل هذا احتراماً لحقوق المسلمين بعضهم على بعض* فلا يحل للإنسان أن يعتدي على حق إخوانه ؛ لا ببيع ولا شراء ولا إجارة ولا سوم ولا نكاح ولا غير ذلك من الحقوق.
بقي الكلام على قوله عليه الصلاة والسلام :" التقوى هاهنا ويشير على صدره" وقد سبق لنا معنى أن التقوى في القلب * فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح* وإذا زاغ القلب زاغت الجوارح- والعياذ بالله – قال تعالى (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:108) .
واعلم أنه زيغ القلب لا يكون إلا بسبب الإنسان * فإذا كان الإنسان يريد الشر ولا يريد الخير فإنه يزيغ قلبه- والعياذ بالله – ودليل هذا قوله تعالى : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ )(الصف: 5)* وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال:70) .
فإذا علم الله من العبد نية صالحة وإرادة للخير * يسر الله له ذلك وأعانه عليه * قال الله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل:5-7).
وقوله عليه الصلاة والسلام :" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم [392] يعني لو لم يكن للإنسان من الشر إلا أن يحقر أخاه الكان كافياً * وهذا يدل على كثرة إثم من حقره إخوانه المسلمين؛ لأن الواجب على المسلم أن يعظم إخوانه المسلمين ويكبرهم ويعتقد لهم منزلة في قلبه* وأما احتقارهم وازدراؤهم فإن في ذلك من الإثم ما يكفر- نسأل الله السلامة.
ثم قال صلى الله عليه وسلم :" كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه".يعني أن المسلم حرام على المسلم في هذه الأمور الثلاثة* أي في كل شيء؛ لأن هذه الأمور الثلاثة تتضمن كل شيء؛ الدم : كالقتل والجراح وما أشبهها* والعرض : كالغيبة * والمال : وكأكل المال* وأكل المال له طرق كثيرة؛ منها السرقة* ومنها الغصب- وهو أخذ المال قهراً – ومنها أن يجحد ما عليه من الدين لغيره* ومنها أن يدعي ما ليس له وغيره ذلك.
وكل هذه أشياء حرام* ويجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله ودمه وعرضه.
* * *
236- وعن أنس رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسل مقال:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه [393].
237- وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقال رجلٌ: فإن ذلك نصره" رواه البخاري [394].
الشرح
ذكر المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه * أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لا يؤمن : يعني لا يكون مؤمناً حقاً تام الإيمان إلا بهذا الشرط؛ أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير* وما يحب لنفسه *من ترك الشر* يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه* هذا هو المؤمن حقاً * وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم * أو يكذب عليهم * أو يعتدي عليهم * كما أه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك .
وهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بؤمن* يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان.
ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره لنفسك* أو كرهت له ما تحب لنفسك.
وعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا * على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان* وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من احب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة* فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر * ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه " [395] الأول حق الله * والثاني حق العباد* تأتيك المنية وأنت تؤمن باليوم الآخر- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك- وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يُؤتى إليك.
وأما حديث أنس الثاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " النصر بمعنى الدفاع عن الغير أي دفع ما يضره * " انصر أخاك" أي ادفع ما يضره * سواء كان ظالماً أو مظلوماً * فقال رجل: يا رسول الله * أرأيت إن كان ظالماً فكيف أنصره؟ ولم يقل : فلا أنصره * بل قال : كيف انصره ؟ يعني سأنصره ولكن أخبرني كيف أنصره * قال: " تمنعه- أو قال تحجزه – من الظلم فإن ذلك نصره" فإذا رأيت هذا الرجل يريد أن يعتدي على الناس فتمنعه فهذا نصره أي بأن تمنعه * أما إذا كان مظلوماً فنصره أن تدفع عنه المظالم.
وفي هذا دليلٌ على وجوب نصر المظلوم وعلى وجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم .
238- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام *وعيادة المريض* واتباع الجنائز* وإجابة الدعوة * وتشميت العاطس" متفق عليه [396].
وفي رواية لمسلم :" حق المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه* وإذا دعاك فأجبه * وإذا استنصحك فأنصح له* وإذا عطس فحمد الله فشمته * وإذا مرض فعده * وإذا مات فاتبعه" [397]